فتحَت كنّتي علينا أبواب جهنّم.. قصة

قلبي موجوع وجرحه لن يلتئم ابدًا. فلقد شاهدتُ ولدَيّ يتقاتلان أمام عينَيّ بسبب التي جسّدَت الشرّ بحد ذاته. لم يكن بمقدوري أن أمنعَ ما حصل فكيف لي أن أعلم؟ ولكن رؤية حفيدي وهو يلعب اليوم أكبر تعزية لي.

كلّ شيء بدأَ حين جاءَت يُمنى للعيش معنا بعد زواجها مِن ماهر إبني.

إستقبلتُها بفرح أنا وإبني الثاني هاني. كانت تلك المرأة جميلة وأنيقة وبَدَت لنا مناسبة، إلّا انّنا لم نَرَ نظراتها المتعالية ولا ازدراءها كلّما فتحنا فمنا. فالجدير بالذكر أنّ يُمنى كانت آتيه مِن عائلة ميسورة وقَبِلَت بالعيش معنا لمدّة محدودة، أي حالما ينتهي ماهر مِن بناء بيتهما. ولكنّ الأمر كان سيتطّلب وقتًا أطول مِن المتوقّع وبدأَت كنّتي بفقدان صبرها.

أقسم أنّنا فعلنا جهدنا لتوفير جوّ ملائم لها، ولا أقول ذلك لأننّي حماتها فالكلّ كان يشهد بمحّبتي ليمُنى.

وكانت كنَّتي تحثّ ماهر باستمرار على إنهاء الأعمال بسرعة لتتمكّن مِن الرحيل مِن” هذا المكان البغيض” كما أسمَته. وحين رأَت أنّ الأمور لم تكن تسير كما أرادَت، قرّرَت إيجاد حافز يُقنعُ زوجها بأخذها بعيدًا عنّا.

وما مِن شيء أفظع لرجل مِن أن يعيش مع غريمه. لِذا بدأَت يُمنى ببث سمّها تحت شكل تلميحات عن نظرات هاني لها المليئة بالرغبة والشهوة. ولكنّ ماهر لم يعطِ أهميّة لهذه التلميحات ربما لأنّها لم تكن تستند إلى شيء ملموس أو لأنّه كان منهمكًا بإنهاء بيت المستقبل.

ولو سمعتُها تقول لزوجها إنّ أخاه يُريدها، لوضعتُ فورًا حدًّا ليُمنى، ولكنّها ولكثرة دهاءها كانت تنتظر دائمًا أن أكون إمّا خارج المنزل أو في غرفتي.

ولشدّة مكرها بقيَت كنتّي تتصرّف معنا بلطف وتهذيب طوال الوقت، بالرغم مِن استيائها منّا، وذلك إبعادًا للشكوك. فالكلّ كان يُهنّئني على هكذا كنّة. حتى أنا اعتقدتُ لفترة أنّ تلك المرأة وضعَت جانبًا تشاوفها علينا، لتركّز على حياتها الزوجيّة ولتحافظ على الجوّ العائليّ السليم الذي كان يسود آنذاك. ولكنّها اضطرَّت أخيرًا لفضح نفسها حين بدأَت تؤنِب هاني أمامنا:

ـ ما بكَ تلحق بي أينما أذهب؟

ـ أنا؟

ـ أجل أنتَ… البارحة رأيتُكَ خارج غرفتي بينما كنتُ أبدّل ملابسي.

عندها قرّرتُ التدخّل وتكلّمتُ مع إبني الأصغر على انفراد. وأكّد لي طبعًا أنّ كلام يُمنى خالٍ مِن الصحّة وأنّه لا يعلم سبب تحاملها عليه. وقصدتُ ماهر لأهدّئ مِن غضبه. ولكنّه قال لي:

ـ ولِما تكذب يُمنى؟ لقد رأيتِ كيف تعاملنا جميعًا… إنّها انسانة رقيقة ومُحبّة… قولي لابنكِ أن يبتعد عنها وإلّا…”

وحتى ذلك الحين لم يخطر ببالي ما سيحدث لاحقًاً، فكيف لي أن أتصوّر فظاعة مصيرنا؟

ومرَّت الأسابيع، ولم تكفّ يُمنى عن التذمّر مِن هاني الذي بات يُفضّل البقاء خارج المنزل قدر المستطاع كي لا يتشاجر مع أخيه، ويُصلّي أن يجهز منزله كي يأخذ زوجته ويرحل.

وبدأَت خطّة يُمنى بالتأثير وبشكل قويّ على عقل ماهر الذي صار يغلي غضبًا كابِتًا شعوره قدر المستطاع كي لا يُقلقني. وقرّرَ سرًّا أن يشتري مسدّسًا لإخافة هاني وإقناعه بالإبتعاد عن زوجته.

ولم أفهم أبدًا كيف خطَرَ ببال إبني البكر إقتناء سلاح، فقد كان نموذجًا مِن الهدوء والرّصانة. ولكن عندما تدخل امرأة بين رجلَين، تفتح وراءها الباب للشيطان الذي يستلذ لرؤية عائلة متناغمة تنهار وتدمّر نفسها.

وفي ذات يوم وقَعَت الفاجعة. كنتُ في المطبخ أحضّر العشاء حين سمعتُ صرخة يُمنى”: ماهر! ماهر!”

وركَضَ إبني إليها فوجدها باكية. حضنَها وتمتمَت له بضع كلمات ومِن ثمّ أخَذَ المسدّس وقصد أخاه في غرفته. سمعتُ صوت شجار ثم عراك وطلقة نار. هرعتُ كالمجنونة لأكتشف هاني سابحًا بدمه وماهر واقفًاً بالقرب منه ينظر إليه بدهشة. وصرختُ:

ـ قتلتَ أخاك؟ قتلته؟؟؟ يا إلهي!

ـ لم أقصد أن أقتله بل أن أخيفه! حاولَ أخذ المسدّس منّي وانطلقَت الرصاصة… هاني… حبيبي… هاني!

وركَع بالقرب منه وأخَذ رأسه بين يدَيه وبدأ يصرخ باسمه. واستدَرتُ فرأيتُ يُمنى واقفة عند الباب تنظر إلينا. ولم أرَ الدهشة أو الحزن أو حتى الشفقة في عَينَيها، فأخذتُها بذراعها وقلتُ لها والدموع تنهال على خدَّي:

ـ أخرجي مِن بيتي الآن، أيتّها الأفعى! مات إبني بسببكِ وأمسى الثاني مجرمًا!

وجاءَت الشرطة وقبضَت على ماهر وبات لدَيّ عذابَان: الأوّل فقدان هاني والثاني سجن أخيه. وبعد المحكمة التي أتعَبَتنا كثيرًا، حوكِمَ ماهر بسنة سجن بعد أن تبّين أنّها حادثة، وما لبث أن عادَ إلى البيت بعد أن باع بيته ليدفع أتعاب المحامي ومصاريف المحكمة الباهظة. ولكنّ الأمور كانت قد تغيّرَت بيننا.

فلم أستطع مسامحته على قتل أخيه بعد أن صدّق غريبة عليه. ولولا شراؤه المسدّس لكان أقتصَرَ الأمر على بضعة لكمات. وكي نملأ ذلك الفراغ الرّهيب قام ماهر بالزواج مجدّدًا. فرحتُ لهذا القرار آملة أن نستطيع البدء مِن جديد.

كانت كنتّي الجديدة، على عكس يُمنى، إنسانة هادئة ومحبّة. ولكن بالرغم مِن جمال روحها، لم يقدر ماهر على حبّها وتحجّج بأنّها لم تنجب له أولادًا ليُطلّقها. فعلتُ المستحيل لأغيّر رأيه ولكنّه بقيَ مصرًّا. وهكذا رأيتُ كنتّي الحبيبة ترحل والدّمعة في عينَيها.

وعُدنا إلى العيش لوحدنا مع ذكرى هاني التي كانت لا تزال تطوف بيننا. ومرَّت سنة أخرى، ولاحظتُ تغيّرًا ملموسًا في نفسيّة ماهر وفرحتُ أّنه استطاع اجتياز ما فعَلَه بأخيه. أصبح يعود مِن عمله وهو يُدندن ويُقبّلني ويصرخ:” حبيبتي أمّي كم أحبّكِ!” وكانت تمتلئ عَيناي بدموع الفرح.

وفي ذات يوم قال لي ماهر والبسمة تعتلي وجهه:

ـ لدَيّ سار… لن تصدّقي ما حصل!

ـ قل لي يا حبيبي!

ـ لدَيّ ولد!

ـ ماذا؟ كيف ومِمَّن؟؟؟

ـ مِن يُمنى!

ـ ماذا؟

ـ أجل… حين وقَعَت… الحادثة كانت حاملاً… ولم تقل شيئًا… المسكينة.

ـ المسكينة؟ المسكينة؟؟؟

ـ أجل… ولكنّها بعد أن علِمَت بأمر طلاقي، إتصَلَت بي وتلاقَينا وعرّفَتني على زاهي… كم هو وسيم! يُشبهني كثيرًا!

ـ وماذا تنوي فعله؟

ـ سأجلبها هي والولد إلى هنا طبعًا!

ـ هذا لن يحصل! إسمع… أنتَ إبني وأحبّكَ كثيرًا… ولكنّني فقدتُ إبني الثاني بسبب تلك الماكرة. ولن أحبّكَ أكثر منه… لقد حرَمَتني منه إلى الأبد ومسامحتي لكَ تطلّبَت منّي جمع كل مشاعر الأمومة… لن أقبل أن تطأ قدما تلك الأفعى المكان الذي أريقَ فيه دم أخيكَ.

ـ ولكنّني أريدها.

ـ خذها هي وابنها إلى حيث تشاء ولكن ليس إلى هنا… ولن أغيّر رأيي.

ـ ستخسرينني يا أمّي.

ـ لا بل ستخسر نفسكَ! على كلّ حال عندما ترى يُمنى أنّكَ لن تستطيع تأمين بيت لها سترحل مِن تلقاء نفسها… وسترى أنّني على حق.

ـ سنرى ذلك.

وكنتُ على حق، فبعد أن استأجر ماهر شقّة صغيرة ليُمنى وابنه وسكنوا، فيها بدأَت المشاكل، وسرعان ما حزَمَت أمتعتها ورحَلَت تاركة زاهي لأبيه.

ورجَعَ إبني إليّ خائبًا وطالبًا السماح. عانقتُه ونظرتُ إلى حفيدي وقلتُ:

ـ لا تقلق يا بنَّي… سنكون بخير.