ورِثتُ الموت مِن والدَيَّ .. قصة مؤثرة

هل الحبّ موجودٌ فعلًا؟ هل الرجل الطيّب والمحبّ حقيقة أم أسطورة؟ لقد قضيتُ عمري أبحث عنه ولم أستسلم. فضّلتُ البقاء عازبة على الإرتباط بأيّ كان. وعندما صرتُ على وشك الإعتراف بِفَشلي… دخل سعيد حياتي.

كنتُ قد بلغتُ الأربعين مِن عمري وكان يكبرني بخمس سنوات. دَخَلَ الرجل محلّ أبي ليبتاع السجائر، وتشابكَت نظراتنا وشعرتُ أن بحثي انتهى أخيرًا. وعاد سعيد يوميًّا ليراني وليتعرّف إليّ أكثر. وعندما توفّي والدي وأقفلتُ المحل بضعة أيّام، حاول سعيد الوصول إليّ بشتى الطرق إلى أن وجَدَ عنواني أخيرًا، فصعِدَ ليُقدّم لي ولأختي تعازيه وسط جمع كبير. سألَ عن أمّي فقلتُ له إنّها غادرَتنا منذ سنتَين بعد مرض خبيث كما في حال أبي. كان السّرطان عدوّي الأكبر وكنتُ بدوري سأتعرّف إليه عن قرب.

وقدّرتُ كثيرًا ما فعلَه سعيد لِذا فتحتُ له قلبي المغلق.

ومع مرور الأيّام، أصبح ذلك الرجل جزءاً مِن حياتي، أفكّر به طوال الوقت وأنتظر قدومه بفارغ الصبر. وأخبَرَني أنّه كان متزوّجًا مِن قبل، وأنّ زوجته السابقة لم تكن صالحة وأنّه كان قد أقسَمَ على عدم الزواج مجدّدًا إلى أن التقى بي.

وفعَلَ سعيد المستحيل لإسعادي. كان ينتظر موعد إقفال المحل ليأخذني إلى المطاعم الفخمة والأماكن الجميلة. ولم يمضِ يوم مِن دون أن نخرج ونتمتّع بوقتنا. وعندما طلَبَ يدي كنتُ أسعد امرأة في العالم. وحدها أختي لم تكن مسرورة:

ـ هناك أشياء لا أفهمها.

ـ أيّ أشياء؟

ـ لا تسيئي فهمي ولكنّ رجلاً مثل سعيد… أعني وسيم وحرّ… لماذا…

ـ لماذا يختارني أنا؟ أهذا ما تقصدينه؟ ألا أستحق اهتمامه؟ لستُ قبيحة بل العكس… وإن كنتِ تلمحين إلى سنّي فإعلمي أنّني لا أزال أستطيع الإنجاب… على كلّ حال لدى سعيد أولاد من زواجه السّابق فلَن يأسف إن لم أستطع إعطاءه ولدًا… إنّه يُحبّني لشخصي ولا غاية له مِن تضليلي… فهو ميسور ونحن لا نملك سوى ذلك المحل.

ـ أنتِ تملكينه… لقد أعطاكِ أيّاه والدنا.

ـ أجل… وأعلم كم استأتِ منه آنذاك… ولكنّه فعل ذلك عندما كنتِ مخطوبة وخاف أن يُقنعكِ زوجكِ ببيعه.

ـ ولكنّني لم أتزوّج…

ـ آسفة… أنا متأكّدة أنّكِ ستجدين رجلًا يُسعدكِ كما وجدتُ أنا سعيد.

لم أغضب مِن أختي، فالمسكينة كانت حتمًا تخاف مِن البقاء وحيدة بعد زواجي، ولكنّني وعدتُها بأنّني سأظل أذهب لرؤيتها وأنّها حتى ستسأم منّي.

وتزوّجتُ مِن سعيد وانتقلنا للعيش في شقّته. ولم أكن أعلم حينها أنّها لم تكن ملكه بل ملك نسيبه المسافر. ولم أكن أعلم أنّه لم يكن يملك شركة إستيراد وتصدير بل يعمل فيها كموظّف بسيط. ولم أكن أعلم أنّ زوجته هي التي طلّقَته بسبب خياناته المتكرّرة. فالحقيقة أنّني لم أتكبّد عناء السّؤال عنه. فلو فعلتُ لكنتُ هربتُ منه بعيدًا قبل أن أربط حياتي به.

وبعد أن اصطدَمتُ بالحقيقة، أقنَعتُ نفسي بالمضيّ في تلك الزيجة لأنّني كنتُ المسؤولة الوحيدة عن اختياري لسعيد. لِذا قرّرتُ أنّ عليّ على الأقل إنجاب ولد واحد يملأ عليّ حياتي. فبعد الزواج، لم يعد زوجي يأخذني إلى أيّ مكان بذريعة أنّ راتبه لا يكفيه، لذلك وإن ارَدتُ قصد المطاعم والذهاب في نزهات كان عليّ دفع التكاليف. ولم يكن المحلّ يجني الكفاية لتحمّل رفاهيّتي، خاصّة أنّني كنتُ أعطي أختي نصف المدخول. وكان هذا الأمر يُغضب سعيد كثيرًا لأنّه اعتبر أنّ مِن حقّي وحدي الإنتفاع مِن المحل لأنّه مكتوب بأسمي. ولكنّني لم أسمع منه فحبّي لأختي كان يفوق وبكثير حبّي له.

ولم أستطع الإنجاب لِذا قصدتُ طبيبًا نسائيًا. وهناك الفاجعة، فلقد وجدوا ورمًا خبيثًا في رحمي ممّا دفعهم إلى إستئصال كامل جهازي التناسلي. وذهبَت أحلامي مع الألم والعلاج.

ولأنّ سعيد لم يكن قادرًا أو مستعدًّا للإعتناء بي، عدتُ إلى أختي التي كانت قد أعطَتني مِن مدخّراتها المال اللازم للعمليّة الجراحيّة وللعلاج الباهظ. ولكن حالتي لم تتحسّن بل تفشّى المرض في كلّ بطني. وعدتُ إلى المستشفى وإلى غرفة العمليّات ليزيلوا لي جزءاً كبيراً من أمعائي.

وبعتُ المحلّ بعد أن طلبتُ مِن زوجي أن يجد المال ورفض:

ـ وما دخلي بمشاكلكِ الصحيّة؟

ـ أنتَ زوجي!

ـ تزوّجتكِ ظنًّا منّي أنّكِ بصحّة جيّدة وإذ بكِ تمرضين بين الحين والآخر!

ـ ألا تحبّني؟

ـ إسمعي… لن أكذب عليكِ…

ـ مثلما كذبتَ بشأن الشقّة والشركة والطلاق.

ـ كنتُ أقول… لن أكذب عليكِ… كنتُ معجباً بكِ وكنتُ أريد التقرّب منكِ… فأنتِ جذّابة… تفهمين قصدي… وقلتُ لنفسي إنّ لديكِ محلًا قد يُساعدنا على العيش برخاء… ولكنّكِ بقيتِ متمسّكة به وبأختكِ.

ـ لو بعتُ المحل لما كان بأستطاعتي الآن الإستفادة مِن ثمنه لعلاجي.

وبقيتُ عند أختي المسكينة التي بدأت بالإهتمام بحاجاتي اليوميّة، كما سبقَ لها أن فَعَلَت مع أمّي ومِن ثمّ مع أبي.

ولم يعد يأتي سعيد لزيارتي سوى بضعة دقائق في اليوم، وقبل أن يخرج للبحث عن التي ستأخذ مكاني بعدما أرحل. فقد كان الأطبّاء أكّدوا ليّ أنّني لن أنجو مِن مرضي، فحتى بعد استئصال الأورام كانت تعود ثانية في أماكن أخرى مِن جسمي. نعم، كنتُ قد ورثتُ الموت مِن والدَيّ.

علماً أنّني لو قمتُ بالفحوصات النسائيّة الإعتياديّة في أوانها، لكانوا اكتشفوا الأورام في مرحلتها الأولى وتسنّى لي العيش طويلًا. يا لغبائي! كان مِن المفترض بي أن أتنبّه للأمر لأنّ أهلي أصيبا قبلي بالسرطان. ولكن ما نفع الندم الآن…

بالنسبة إلى سعيد، يُمكنّني القول إنّني نسيتُ أمره كليًّا. فبعد الخيبة والبكاء والتحسّر، قرّرتُ الإلتفات إلى نفسي واعتباره غير موجود على الإطلاق. لِذا طلبتُ منه الّا يأتي بتاتًا.

مَن كان يشغل بالي هي أختي. فبعد أن بعنا المحلّ، لم يعد لدَينا مورد رزق، وبدأت المسكينة بالإتكال على أناملها السحريّة وخياطة بعض الألبسة للأطفال والقيام بالتصليحات.

ولكنّ وضعها النفسيّ هو الذي أقلقني. فأنا سأرحل قريبًا وهي تعلم ذلك. وكلّما نظرت إليّ تمتلئ عيناها بالدّموع لمجرّد فكرة فقداني. لا أريد تركها لوحدها ولكن ما بيدي حيلة. سألتُها إن كان مِن الأفضل لها أن تتزوّج فأجابَت:

ـ ويأتيني رجل مثل سعيد؟ لا، شكرًا!

ـ ليس كلّ الرجل مثل ذلك الفاشل… أنا متأكّدة…

ـ متأكّدة؟ ألم تكوني متأكّدة مِن سعيد؟

ـ بلى… وماذا ستفعلين مِن بعدي؟

ـ سأنتظر اليوم الذي سأوافيكِ حيث أنتِ وحيث هما والدانا… وأرجو أن لا يطول الإنتظار”.