تزوّجَني سيّدي سرًّا .. وتغيرت حياتي من بعدها

قضيتُ قسمًا كبيرًا مِن حياتي في الخفاء، مختبئة في زيّ خادمة في حين كنتُ زوجة رجل أعمال ثريّ وناجح. ولم أتحرّر مِن تلك العيشة إلّا بعد مماته مع أنّني كنتُ أحبّه إلى درجة الجنون.

كلّ شيء بدأ منذ سنين طويلة حين باشرَت أمّي العمل عند أهل تامر. كنتُ في العاشرة مِن عمري وكان أبي قد تركنا مِن دون شيء ليلحق براقصة وضيعة. وكان تامر شابًّا في العشرين مِن عمره يتمتعّ بكلّ ميزات الوسامة والثراء.

وحين بلغتُ المراهقة، بدأ” إبن الستّ” يحوم حولي إلّا أنّني لم أشك أبدًا في أنّه قد يُعجَب بي بسبب مكانتنا الإجتماعيّة. ولكنّه كان ينتظر بصبر أن أبلغ السنّ القانونيّ ليمتلكَني. وعندما أخبَرَني تامر عن مشاعره تجاهي، كانت أمّي قد توفَّيت وتركَتني وحدي أخدم في البيت الكبير، لِذا قبِلتُ عرض” السيّد” بالزّواج منه سرًّا.

هل كنتُ معجبة به آنذاك؟ أجل ولكنّني، وللفارق الإجتماعيّ الكبير بيننا لم أسمح لنفسي يومًا حتى بالتفكير بأنّ شيئًا قد يحصل بيننا.

وتزوّجنا شرعًا وبحضور شاهدَين أتى بهما. واشترى شقّة قريبة مِن الفيلّا لنستطيع التواجد سويًّا فيها وكي لا يشكّ أحد بنا.

وبعد أقلّ مِن أسبوع، تزوّج تامر مِن إبنة تاجر كبير وصاحب ثروة لا تُحصى. تصوّروا شعوري وموقفي وأنا أخدم في فرح زوجي. كانت الدّموع تنهال على خدَّيّ حتى خال المعازيم أنّني أبكي فرحًا لسيّدي. وبالطبع إستنكَرتُ هذا الزواج وهذا كان جواب تامر:

ـ حبيبتي… زواجي مِن جيهان ليس سوى شكليّات إجتماعيّة… تعلمين أنّ موقعي وسمعتي…

ـ تخجل بي؟

ـ أبدًا… بل أفتخر بكِ كثيرًا!

ـ ليس لدرجة إعلان زواجنا أو الإكتفاء بي…

ـ حبيبتي… الأمور هكذا ولا أستطيع تغيير المجتمع برمتّه لوحدي.

ـ خلتكَ قويًّا.

وأصبحَت حياتي شبه جحيم، أرى في النهار زوجي يضحك ويُغازل زوجته، وأنتظره في المساء في الشقّة ليأتي لبضعة ساعات ومِن ثمّ يرحل.

وأبشع ما في الأمر أنّه أبقاني خادمة لدَيه، ومَنَعني مِن الحمل تحت ذريعة أنّه لم يكن قادرًا على الإنجاب مِن الخادمة. وكم كان غضبي شديداً عندما أعلمَتني” السيّدة” أنّها حامل مِن تامر.

خلتُ أنّني سأقتلها بِيَدَيّ. ولكن بعد ثوان، تداركتُ الوضع وابتسَمتُ لها مهنّئة. واهتمّيتُ بها طيلة فترة حملها، وعندما رأيتُ الطفل هَرَبتُ باكية.

وليُعوّض عليّ، كان تامر يغمرني بالهدايا، ويأتي لي بكلّ ما تطلبه أيّة إمرأة وكنتُ أقول له دائمًا:

ـ لِما كلّ ذلك؟ متى وأين سألبس تلك المجوهرات والفساتين الجميلة، فنحن لا نخرج سويًّا أبدًا وكلّ معارفي مثل شأني فقراء.

ـ إعتبريها إستثمارًا… قد تحتاجين إليها يومًا… قد أموت…

ـ لا تقل ذلك أرجوك!”.

فكرة موت أو رحيل تامر كانت ترعبني لأنّني كنتُ أحبّه كثيرًا. فبالرّغم مِن عذابي كان يُعاملني بحبّ عميق. كان يُحبّني فعلًا ولكن على طريقته.

ومرَّت السّنون وأصبح لتامر عائلة كبيرة وسعيدة ولم يتغيّر شيئًا في حالي. لِذا عندما تقرّب إبن اللحام منّي وطَلَب أن أتحرّر مِن زوجي وأتزوّجه وأؤسّس عائلة معه أخذتُ افكّر بالأمر جدّيًّا.

كان ذلك الشاب على علم بوضعي، لأنّه كان يأتي لي باللحمة فيرى كيف أعيش ويقرأ بعينَي مدى يأسي.

وأخبرتُ تامر بنيّتي في الرحيل كباقي الناس. هزّ برأسه وقال:

ـ سنرى… سنرى”.

وبعد أقلّ مِن أسبوع، علِمتُ أنّ” عريسي الجديد” أخَذَ أمتعته ورحل إلى قارّة أخرى بعدما ربح باليانصيب.

أدركتُ حينها أنّ زوجي أعطاه مالًا وفيرًا للإختفاء مِن حياتي.

وعندما واجهتُه بالأمر قال لي تامر:

ـ إحمدي ربّكِ لأنّني فعلتُ ذلك…الوضيع باعكِ ورحل.

ـ وكيف سيرفض عرضاً كهذا ؟ إنسان فقير مثله لا أمل له سوى عمله المتواضع.

ـ الفقراء ليسوا كلّهم للبيع، يا حبيبتي.

كان على حق. وسكتُّ بعدما رأيتُ آخر أمل لي بالسّعادة يختفي مِن أمام عينيّ.

وبعد 15 سنة على زواجي مِن تامر، توفّي فجأة. عندها شعرتُ بحزن عميق ممزوج بارتياح شديد. مات معذّبي الحبيب.

بكيتُ زوجي باعتدال. وعندما جاءَت جارتي إليّ معزّية قالت لي:

ـ رأيتُكِ كيف كنتِ تعيشين… تنظّفين منزله في النهار ويأتي لزيارتكِ ساعة أو اثنتين في الليل… إبن السيّد الكبير… لا يختلف عن كلّ هؤلاء الأثرياء بشيء.

ـ كيف علِمتِ بذلك؟

ـ كلّ الناس على علم بزواجكما السرّي ما عدا الزوجة الثانية على ما أظنّ… ماذا ستفعلين الآن؟

ـ لا أدري… ذهب عمري سدىً… لقد أهداني بعض المجوهرات… سأبيعها لأعيش… حتى الشقّة ليست ملكي.

ـ وعندما ينفذ المال؟ ماذا ستفعلين؟ إسمعي… أنتِ زوجته الشرعيّة ويحقّ لكِ أن ترثيه.

ـ أرثه؟ وتعلم زوجته بوجودي؟ لا!

ـ تفضلّين البقاء في الخفاء حتى لو كلّفكِ الأمر الموت جوعًا؟

ـ لم يكن يريد تامر أن أظهر إلى العَلَن.

ـ ولم يكن يريد تامر أن تنجبي ولكنّه أنجب مِن زوجته الثانية… أتعتقدين فعلًا أنّه أحبّكِ؟ أبقاكِ خادمة لديه هو وعائلته…

ولم يعطكِ سوى ساعات مِن وقته… حَرَمكِ مِن الأولاد… حبيبتي… ولولا عقد الزواج بينكما لمَا قلتُ إنّه عاملكِ كعشيقة وليس أكثر…

ـ ولماذا تقولين لي هذا الكلام الجارح؟ جئتِ لتؤاسيني.

ـ جارنا في الطابق الأوّل محام… وقال…

ـ هو على علم أيضًا؟ وتتحدّثون عنّي؟

ـ أجل… قلبنا معكِ… قال المحامي إنّه سيُساعدكِ للحصول على حقّكِ… شهادة زواجكما بِحوزتك؟

ـ أجل”.

وبدأت معركة شرسة بيني وبين جيهان زوجة تامر التي فقدَت أعصابها عندما علِمَت أنّ خادمتها هي زوجة تامر أيضًا وتريد مقاسمتها الميراث.

ولكنّني ربحتُ الدّعوى وحصلتُ على مبلغ كبير للغاية. لم أكن أريد شيئًا، ولكنّها كانت الطريقة الوحيدة لردّ الإعتبار الذي سلبَه منّي سيّدي.

وقرّرتُ الرحيل بعيدًا. وقبل أيّام قليلة مِن سفري دقَّت زوجة تامر بابي. عندما رأيتُها واقفة أمامي خفتُ أن تكون قد أتَت لإيذائي.

ولكنّها قالت لي:

ـ لا تخافي… جئتُ فقط لأسألكِ سؤالًا واحدًا وأرحل.

ـ تفضّلي.

ـ هل كان تامر يُحبّني؟ لم يكن يومًا ذلك الزّوج المسكون بالغرام… وبما أنّه تزوّجكِ قبل أسبوع وأبقى المسألة سرّية طوال سنين، فلم أعد واثقة مِن شيء… أجيبي وسأختفي مِن حياتكِ.

نظرتُ إلى تلك المرأة ورأيتُ في عينيها دموعاً راجية فأجبتُها:

ـ بالطبع أحبَّكِ وكثيرًا… لم أكن بالنسبة إليه سوى وسيلة تسلية… إذهبي مطمئنّة.

إبتسمَت جيهان ورحَلَت. وبعدما أقفلتُ الباب قُلتُ عاليًا:

ـ لم يحبّ أيّاً منّا… لم يحبّ سوى نفسه فقط.