سألتُه لماذا تزوج علي .. فاكتشفت هذه المصيبة

كيف لي أن أشكّ بالذي يحصل عندما يكون زوجي ألطف رجل في الدنيا معي ومع ولدَينا؟ كيف لي أن أتخيّل أنّه كان يقول كلامه الجميل لإمرأة غيري ويلمسها ويُقبّلها كما يفعل معي؟

كيف استطاع فايز أن يكذب عليّ هكذا، ويُخطّط مرّات عدّة في الأسبوع ليُوافي التي تزوّجها سرًّا؟ لم أكن غبيّة بل هو الذي أمعَنَ في الكذب والإحتيال.

لم أعرف أين كان يذهب زوجي بالتحديد إلّا بعدما وصلَني خبر تواجده في الشقّة التي أشتراها لتلك المرأة. كنتُ أظنّ أنّه كعادته على الطرقات يقود شاحنته وينقل البضائع.

فبالرّغم من أنّه كان يملك شركة شحن كبيرة، بقيَ مصرًّا على العمل بنفسه، على الأقل هذا ما أقنعَني به ليستطيع موافاة زوجته الثانية.

وأبشع ما في الأمر أنّ المكان الذي اختاره لحبّه الجديد كان يبعد شارعًا واحدًا عن سكننا. هل فعل ذلك ليربح الوقت بين المنزلَين أم وبكل بساطة لأنّه كان أوقَح رجل على وجه الأرض؟ وعندما علِمتُ بالحقيقة، وبعد أن بكَيتُ كلّ دموعي، بدأتُ أسأل نفسي عمّا أخطأتُ به كي أدفَعَ بزوجي إلى أحضان امرأة أخرى…

ولكنّني لم أجد شيئًا يُذكر. لقد كّرستُ حياتي له بعد أن تركتُ عملي لأقضي نهاري أرتّب البيت، وأحضّر الأكل اللذيذ وأهتمّ بولَدَيّ بانتظار مجيئه مِن العمل. لم نكن نتشاجر، لأنّنا كنّا دائمًا متّفقَين على كل شيء. أمّا بالنسبة إلى حياتنا الزوجيّة فكانت ممتازة بالرّغم مِن مرور السنين.

وبما أنّني لم أجد جوابًا لهذه الأسئلة قرّرتُ أن أسألَه شخصيًّا.

بعثتُ بالأولاد إلى أمّي تحسبًّا لما قد يحصل، فلا دخل لهما بمشاكل الكبار. ومِن ثمّ توجّهتُ إلى العنوان المذكور. كنتُ قد ارتدَيتُ فستانًا جميلًا، ووضعتُ المساحيق كي أكون أجمل مِن غريمتي. ولكنّ قلبي بدأ يدقّ بسرعة، وشعرتُ بأن رجليّ لا تريدان ايصالي إلى تلك الشقّة. وصعدتُ السلالم ببطء شديد وكبستُ على الجرس وانتظرتُ.

وفتحَت لي إمرأة بسنّي. كانت متوسّطة الجمال والجاذبيّة. تخيّلتُها أجمل وأصغر سنًّا. سألَتني عمّا أريده، فأجبتُها أنّني أريد رؤية زوجي فايز. سكتَت لِثوان ثم نادته.

وجاءَ زوجي إلى الباب غير مدرك أنّني سأكون التي تقف أمامه. كان يرتدي شورتًا قصيرًا وقميص قطن كأيّ رجل آخر وهو في خصوصيّة منزله. وعمّ الصمت. ومِن ثمّ قلتُ لِزوجي:

ـ لماذا؟”

نظَرَ وراءه نحو زوجته، ثم أخَذَني بذراعي إلى الخارج بعدما أقفَلَ الباب وراءه وقال لي بإرتباك شديد:

ـ لا أدري.

ـ لا تدري لماذا تزوّجتَ عليّ؟ هل تستغبيني؟ أم أنّكَ أنتَ الغبيّ؟

ـ أنا الغبيّ.

ـ هل كنتَ ستقول لي الحقيقة يومًا؟

ـ لا… وكيف أقول لكِ ذلك؟ أو لماذا؟ لم تفعلي لي شيئًا كي أخون ثقتكِ بهذا الشكل الفظيع”.

وبكيتُ بحرارة لأنّني ارتحت بعدما قال لي أنّ لا ذنب لي في الموضوع.

أخَذَني بين ذراعيه مواسيًا. عندها ابتعدتُ عنه:

ـ لا تلمسني! إيّاكَ أن تفعل! أعطيكَ أسبوعَين لتسوية أموركَ مع تلك المرأة… أسبوعيَن! إن لم تطلّقها فلَن ترى وجهي أو وجه ولَدَيكَ مجدّدًا”.

وعدتُ إلى البيت وبدأتُ أفكّر بكيفيّة توضيب أمتعتنا والرّحيل. والغريب في الأمر أنّني كنتُ جدّ هادئة، ربمّا لأنّني أخذتُ الموقف المناسب. لم أكن مستعدّة أبدًا لأن يتقاسم رجل حياتي مع أخرى، خاصة أنّ لا دخل لي بقراره.

في تلك الأثناء، أدركَ فايز أنّه لا يزال يُحبّني وأنّه اقترف خطأً بحقّي وبحق نفسه، ولم يكن ينوي أبدًا العيش مِن دوني وبدون الأولاد. ولكنّ أميرة زوجته لم تكن مِن اللواتي تقبَلنَ أن تُرمى جانبًا.

وكانت تستمدّ قوتّها مِن أخيها الذي كان يشغل مركزًا مهمًّا في الدولة. فحين أخبرها فايز أنّه يريد تركها وبسرعة هدّدَته بأعلى صوتها. ولكنّ زوجي كان في عجلة مِن أمره للرّجوع إلينا وطلَب الغفران منّي على حماقته، فلم يكترث لما قد تفعلَه أميرة به.

وأخَذَ زوجي أمتعته مِن حيث يُقيم وعادَ إلينا. وفي تلك الليلة، لم نتبادل الكلام ونمتُ في غرفة ولَدَينا. الحقيقة أنّني لم أكن أعلم ما أقوله له ولا هو. وقرّرنا ضمناً أن نترك الوقت يُصلح ما تدمّر بيننا.

ولكن في الصباح الباكر، داهمَت الشرطة بيتنا وفتّشَت أمتعة فايز ووجَدَت مجوهرات أميرة مخبّأة في جراب. كانت قد أخفَت صيغتها هناك بدون أن ينتبه زوجي للأمر. وحوكِمَ بالسجن سنَتَين. لم يستطع محاميه إثبات براءته، فكلّ الأدلّة كانت ضدّه، إلى جانب توصيات أخ أميرة بعدم التساهل معه.

وعندما استطعتُ زيارة زوجي قال لي:

ـ أقسم لكِ أنّني لم أسرق شيئًا!

ـ أعلم ذلك… صحيح أنّكَ كاذب وغشّاش وخائن ولكنّكَ لم تكن يومًا سارقًا.

ـ هذا رأيك بي؟

ـ نعم… لقد كذبتَ عليّ… كنتُ أنتظركَ لتعود مِن رحلاتكَ الطويلة المزعومة وبالي منشغل عليك…كنتُ أخاف أن يصيبك مكروه وأنتَ على الطريق بينما أنتَ بين ذراعي أخرى… خنتَني… خنتَ ثقتي بكَ… خنتَ العهد الذي قطعتَه لي حين تزوّجنا… خنتَ الصورة التي أملكها عنكَ…

ـ آسف…

ـ سأسألكَ مجدّدًا… لماذا؟

ـ لماذا… ربمّا لأنّه يحقّ لي أن أتزوّج مِن أخرى… ربما لأنّني أرَدتُ أن أغامر قليلًا… لم أحبّها وإلّا لما عدتُ إليكَ بسرعة…

ـ لأنّني علِمتُ بالأمر وإلّا لما عدتَ.

ـ كنتُ سأعود لأنّني أحبّكِ ولا أستطيع العيش مِن دونك… وأنتِ؟ أما زلتِ تحبّينني؟

ـ لا أدري… ما أعرفه هو أنّني كنتُ أحبّكَ… وكثيرًا… أمّا الآن…

ـ أرجوكِ…

ـ كيف لي أن أحبّكَ إن لم أعد أثق بكَ؟ لو كنتَ محلّي، ما كنتَ لتفعَله؟

ـ لو كنتُ محلّكَ؟ يا إلهي! لا أريد حتى تخيّل ذلك!

ـ أرأيت؟ لو أنّ كلّ إنسان بنّيتة الخيانة يضع نفسه مكان الآخر لكان الناس والعالم بألف خير… فالخيانة لا تحدث في غضون ثوان بل يلزمها تحضير وتخطيط وتنفيذ… أي أنّها عمليّة معقّدة تتيح لصاحبها الوقت الكافي لتغيير فكره والتراجع.

ـ أنتِ محقّة… كيف فعلتُ ذلك بكِ؟ أنتِ عمري كلّه… هل قلتِ للولدين؟…

ـ أبدًا! لم ولن يعرفان شيئًا عمّا حدَثَ لنا… أمّا بالنسبة لسجنكَ فيعلمان أنّ أباهما بريء.

ـ أنتِ ملاك… هل ستنتظرين حتى أخرج؟

ـ أجل”.

ومضَت السنتان وكأنّها دهور، وذهبتُ لزيارة فايز كلّ أسبوع حتى خرَجَ أخيرًا. كنّا قد تكلّمنا كثيرًا خلال تلك الزيارات عن علاقتنا ومشاعرنا. فحين خرَجَ كنتُ أنتظره كما لو كان موعدنا الأوّل.

وتعانقنا مطوّلًا، وشعرتُ أنّ حياتي عادَت إليّ. وأقمتُ له مأدبة عامرة دعيتُ إليها كلّ المحبّين.

وبعد تلك الليلة العظيمة بتسعة أشهر، كان إبننا الثالث خامس عائلتنا.