مِن أين ظهَرَ إبن عم زوجتي؟ .. قصة

يوم دخل ذلك الرجل بيتنا شعرتُ بانزعاج لم أستطع تحديد مصدره. فبالرّغم مِن لطافته ولياقته، كان هناك شيء غير مريح فيه. ورددتُ السّبب إلى طريقة ظهوره في حياتنا. فلم أكن أعلم أنّ لزوجتي إبن عمّ ولا حتى هي. ما كنّا نعرفه عن عمّها هو أنّه هاجر إلى البرازيل عندما كان شابًا صغيرًا، وأنّه عاش هناك برخاء بعدما أسّس مزرعة ضخمة لتربية المواشي وبيعها.

لم يذكر أحد أمامنا أنّه تزوّج وأنجَبَ، لِذا كم كانت دهشتنا كبيرة عندما اتصل سامي بزوجتي يُمنى طالبًا المجيء للتعرّف على قريبته.

وجلَسَ في صالوننا يروي لنا عن حياته في القارة الأمريكيّة وعن أبيه الرّاحل. أخبرَنا أنّه في سنّ العاشرة فقد أمّه بعدما حاربَت لسنين مرضًا خبيثًا. وسألتُه:

ـ أهلًا بك يا سمير في بلدكَ وبيتكَ… ولكن ما الذي حَملك على الإتصال بنا بعد سنين مِن الصّمت؟

ـ الذنب ذنب أبي رحمه الله… لم يذكر وجود أخيه إلاّ قبل موته بأيّام، وطَلَب منّي أن أعود إلى الوطن وأزوره وأحمل له أسفه على عدم التواصل معه كلّ تلك المدّة… وفور وصولي علِمتُ أنّ لعمّي إبنة وحيدة إسمها يُمنى”.

ونظَرَ إلى زوجتي مبتسمًا ومضيفًا:

ـ أختي يُمنى”.

وبدل أن أتأثّر بتلك العبارة، شعرتُ وكأنّني أحضر مسرحيّة وأنّ الرجل الجالس أمامي مجرّد ممثّل. عندها سألتُه:

ـ وأين تسكن الآن؟

ـ في فندق خمس نجوم.

ـ وهل أنتَ باقٍ أم أنّها زيارة خاطفة؟

ـ لقد راقَت لي البلد… وكما تعلم لقد تحنّن الله وأنعَم علينا بخَيراته… أنا أفكّر بالإستثمار هنا”.

وبعد أن قمنا بالواجب معه، إستأذنَ واعدًا بالعودة. بعد رحيله أعربتُ ليُمنى عن إنزعاجي مِن سمير. فقالَت لي:

ـ أنتَ دائمًا هكذا… لا يُعجبكَ أحد… لدَيّ إبن عمّ واحد ولا تحبّه! ما رأيكَ لو أخذتُ الموقف نفسه مِن عائلتكَ؟ كفى تصوّرات!”

وشعرتُ بالذنب لانزعاج زوجتي، ووعدتُ نفسي أن أنسى مخاوفي تجاه إبن العم. ولكنّني لم أكن أعلم أنّني سأراه بعد يومَين في مكان عملي، أي في المصرف. كان جالسًا على أحد مقاعد الإنتظار، وحين مررتُ بقربه صَرَخَ لي:

ـ يا للصّدفة!

ـ هي حقًّا صدفة… ماذا تفعل هنا؟

ـ جئتُ أرى كيف يُمكنني استثمار مالي… وأنتَ؟

ـ أعمل هنا… أنا المسؤول عن الإستثمارات… صدفة غريبة”.

مرّة أخرى شعرتُ بانزعاج كبير. فخبرتي بالعمل علّمَتني أن آخذ حذري مِن الذين يهبطون مِن السماء بنيّة تشغيل أموالهم. ولكنّني إصطحبتُه إلى مكتبي واستمعتُ إليه بكلّ مهنيّة. قال لي سمير إنّه يملك مبلغًا طائلًا يُريد توظيفه مِن خلال المصرف بعدما سمَعَ أنّ مؤسّستنا هي الرّائدة بذلك المجال.

شرحتُ له أنّ علينا الحصول على إثبات بمصدر تلك الأموال كما تنصّ علينا القوانين العالميّة، فوعَدَني بأن يأتي بها إليّ في أسرع وقت. وأضفتُ أنّ المصرف لا يقبل إلّا المبالغ دون العشرة آلاف دولار، وأنّني لا أستطيع تجاوز ما يُمليه عليّ عملي. فأعطاني مبلغًا صغيرًا لنفتح به حسابًا له إلى حين أحصل على ما طلبتُه منه.

وكان بتلك الأثناء قد ذهَبَ مع زوجتي للتعرّف على عمّه وحمل اعتذار المرحوم أبيه معه. إستقبَله والد زوجتي بذراعين مفتوحين وعينين دامعتين، بعدما تذكّر كيف هاجر أخوه وهو مراهق. ساعدَه أبو يُمنى كثيرًا في الأواني الأولى بإرسال المال إليه حتى يُؤسّس نفسه، إلى حين إنقطعَت شيئًا فشيئًا أخباره حتى أنه خاله ميتًّا. فكم كانت فرحته عندما رأى أمامه الإبن الوحيد لأخيه الوحيد.

وأصبحَ إبن العم يأتي إلى المصرف أسبوعيًّا حاملًا بعض المال لنضيفه إلى ما سبقَه. وبدأتُ أعتاد على الرجل، وأجده أقلّ إزعاجًا مِن الأوّل. وسرعان ما أصبَحَ يتردّد إلى منزلنا، فنقيم له الغداء والعشاء ويُخبرنا عن البرازيل ومغامراته هناك مذ كان صغيرًا.

كنتُ سعيدًا أن تكون يُمنى قد وجَدَت في سمير الأخ الذي كم تمنّت أن يكون لها، وهي قدّرَت لي إستيعابي للرّجل. وكانت حياتنا تسير على أفضل حال إلى حين قصَدَني إبن العم في مكان عملي بعد حوالي الستّة أشهر:

ـ عليّ العودة إلى البرازيل… لبعض الوقت.

ـ خير؟ هل حصل شيء؟

ـ أبدًا… لقد طلبتُ مِن محاسبي أن يبعث إليّ كلّ ما يتعلّق بمصدر أموالي، وإذ به يتركني وأنا بأمسّ الحاجة إليه… عليّ الذهاب بنفسي لإنهاء ما بدأَه… سأعود بعد أقلّ مِن شهر.

ـ ولماذا جئتَ إلى هنا لتقول لي ذلك؟

ـ لأنّني أريد سحب المال الذي وضعتُه على دفعات في الحساب.

ـ لما تحتاج إليه؟ أليس لدَيكَ الكثير هناك؟

ـ بلى! ولكنّ أموالي كلّها في حسابات توفير وقد أحتاج إلى سيولة.

ـ تريد مالكَ نقدًا؟

ـ أجل… إن لم يكن لديكَ مانع طبعًا.

ـ حالاً.

وأعطيتُه كلّ ما وضعَه، أي مبلغًا كبيرًا كان قد تكّدسَ بعد كل الإيداعات التي قام بها على مرّ الأشهر.

وسافَرَ سمير بدون أن يُودّع إبنة عمّه. ولم تكن يُمنى تعلم بخبر رحيله، فحين سألتُها إن كان قد أخبَرَها سمير عن مدّة بقائه في البرازيل صَرَخَت:

ـ ماذا؟ رحَلَ؟ متى؟ أنتَ تمازحني! لن يفعل ذلك بي!

ـ بكِ؟ ماذا تقصدين؟

ـ لا شيء… لا شيء… أعني بنا أنا وأبي… لو تعلم كم كان سعيدًا بابن أخيه…”

وامتلأت عينا زوجتي بالدّموع ووجدتُ الأمر مبالغًا به. واتصلتُ بعمّي وأخبَرتُه بسفر سمير فصَرَخَ الرجل عاليًا:

ـ وأموالي؟ ما حدث لأموالي؟

ـ ماذا تقصد، يا عمّي؟

ـ لقد أعطيتُه الكثير مِن المال ليستثمره… الكثير مِن المال…

ـ ولِمَ تفعل ذلك؟ ألا أعمل أنا في مصرف محترم؟ لما لم تقل لي أنّكَ تريد الإستثمار؟

ـ لقد أخبَرَني عن ثروته ونجاحه بالأعمال، وأنّه ينوي الإستثمار هنا ووعدَني بمدخول هام… هل تظنّ أنّه سيعود؟ قل لي إنّه سيعود!

ـ لقد سحب كلّ ما كان في حسابه فلا أظنّ أنّه سيعود… عمّي… كيف تثق برجل لم ترَه بحياتكَ ولم تكن حتى تعلم بوجوده؟

ـ العاطفة… ذكّرني بأخي… يا لغبائي… وأفظع ما في الأمر أنّني أقنَعتُ أصدقاء لي بالدّخول معي في تلك المغامرة… ماذا سأقول لهم الآن؟”

وعندما أقفلتُ الخط، أخبَرتُ يُمنى بالذي حصل لأبيها فبدأت بالبكاء والصراخ:

ـ لن يعود؟ هل أنتَ متأكّد؟

ـ أجل… وضَعَ المال عندي في المصرف ليُقنعني بأنّه جِدّي في نواياه، بينما كان يُخطّط منذ البداية للإستيلاء على مدخّرات الناس والرّحيل… فهو إن عاد سيُقبض عليه فورًا، خاصّة أنّني سأقنع أبيكِ بالإبلاغ عنه… هناك على ما أظن معاهدة تسليم المجرمين بين بلدنا والبرازيل… سيعثرون عليه قريبًا وسيعترف بكلّ شيء.

ـ بكلّ شيء؟

ـ أجل… شرطتنا قويّة وتعلم كيف تحمل المجرمين على الإعتراف”.

وانتابَت يُمنى رجفة قويّة لم أستطع تفسيرها. كان الأمر وكأنّها خائفة أن يُقبَض على سمير ويعترف بما فعَلَه بدل أن تفرح للأمر ولاسترداد أبيها أمواله. عندها عادَ إليّ ذلك الشعور بالإنزعاج الذي تملّكَني أوّل ما رأيتُ المحتال والذي فعلتُ جهدي لإسكاته حبًّا لزوجتي.

عندها سألتُها:

ـ يُمنى… هل هناك ما عليّ معرفته؟ لا شيء يبقى مخفيًّا إلى ما لا نهاية… فمِن الأفضل أن تخبريني بنفسكِ”.

سكتَت زوجتي مطوّلًا ثم قالَت والدموع تنهال على خدّيها:

ـ قال إنّه يُحبّني وإنّه سيأخذني بعيدًا… إلى البرازيل… وإنّني سأعيش كالملكة… قال لي إنّه يملك كلّ ما يُسعد المرأة… قال لي…

ـ ألم أعاملكِ كالملكة… لم ينقصكِ شيء… صحيح أنّني لستُ ثريّاً ولكنّنا نعيش جيّدًا… لم نتشاجر يومًا… لم أطلب منكِ شيئًا… كلّ ما فعلتُه كان مِن أجلكِ… وعندما أتى غريب فجأة نسيت حبّنا مِن أجل المال؟ أيّة مخلوقة أنتِ؟ هل أحببَتني يومًا أم أنّكِ بقيتِ معي بانتظار أفضل منّي؟من هو

ـ سامحني، أرجوك!

ـ أظنّ أنّ أبوكِ بحاجة إليكِ… إذهبي إليه.

ـ لأعود؟

ـ لا.

وقدّم عمّي وأصدقاؤه بلاغًا بسمير، ولكنّ الشرطة البرازيليّة لم تستطع العثور عليه لسبب وجيه: لم يكن الرّجل إبن عمّ زوجتي بل محتال إنتحل شخصيّة وهميّة بعدما زوّر أوراقًا ثبوتيّة. وعلِمنا مِن شرطة البلد أنّه أخَذَ أموال أناس كثر قبل أن يختفي.

لماذا اختارنا نحن بالذات؟ لا بدّ أنّه كان يعرف عمّ يُمنى، وعَلِمَ منه أنّ لدَيه عائلة هنا لم يرَها منذ سنوات عديدة. وجَدَ فينا مرجعًا مقنعًا لسلب مال الناس: رجل معروف ومقدّر كوالد زوجتي، وأنا الموظّف في مصرف جدير بالثقة.

وطلّقتُ زوجتي، وحمدتُ ربي أنّنا لم ننجب بعد وإلاّ لكنّا جلبنا العذاب لأولادنا.

وحتى اليوم، لم أفهم كيف استطاعَت يُمنى أن تنسى خمس سنوات مِن الحبّ والتفاني. هل أحبَّتني ولو في الأواني الأولى مِن زواجنا؟ لا أعتقد ذلك.

ورغم ألَمي الشديد وخوفي مِن أن تخونَني إمرأة مِن جديد، إستطعتُ نسيان يُمنى في أحضان أخرى. ولكن بين الحين والآخر، أفتّش في هاتف زوجتي الجديدة بحثًا عن أيّ دليل خيانة.