قصة قصيرة … قدَّمَني أبي كجائزة ترضية

كنتُ المفضّلة عند أبي. كنّا أربع بنات ولم أكن الكبرى أو الصّغرى، ولكنّه رأى فيّ صورة مصغّرة عنه لِذا كان يصحبَني معه أينما ذهب ويُعرّف عنّي قائلًا:” وريثَتي”.

وبذلك كان يعني أنّني سآخذ مكانه يومًا كمُصلحة البلدة وقدوة لسكّانها. فالجدير بالذكر أنّ والدي كان محطّ احترام الجميع، وكان الناس يأتون اليه للنصيحة ولحلّ مشاكلهم. لِذا كان بيتنا دائمًا مفتوحًا يتوافد إليه الكبير والصغير طالبًا الرأي الصائب.

وكنت ُ قد أكتسبتُ مِن أبي حبّ المساعدة والتفكير السليم والإيجابيّ، ولكن كثرة الطيبة وحبّ التشاوف غيّرا حياتي بشكل غير متوقّع وتمنّيتُ لسنين طويلة لو أنّ أبي كان مواطنًا عاديًّا. وحتى الآن، وبعد مرور سنوات على ما حدث، لا أستطيع تصديق الذي فعَلَه بي الرجل الذي اعتبَرته قدوة لي.

كنتُ في السابعة عشرة مِن حياتي حين قال لنا أبي ذات مساء:

ـ يا بنات! لدينا زوّار مميّزون الليلة… سمعان إبن البقال آتٍ ومعه عروسته.

ـ ولماذا في الليل؟

ـ لقد قرّر سمعان خطف أميرة إبنة النجار… لا تخفنَ فهما متحابّان ولكن هناك مشاكل بين العائلتَين…

ـ ولِما لا يأخذها إلى بيت أهله يا أبي؟

ـ ما هذا السؤال؟ لأنّ بيتي هو مثابة مرجع آمن لكلّ مَن يطلب المأوى… هنا ستكون العروس بأمان حتى موعد الزفاف… لن يجرؤ أحد على المسّ بسمعتها طالما هي في منزل يوسف!”

قال ذلك بفخر واعتزاز، وأتذكّر أنّ عينَيّ أمّي امتلأت بالدّموع لكثرة إعجابها بزوجها. لم تكن تعلم المسكينة أنّها ستذرف تلك الدموع حزنًا بعد ساعات.

وانتظرتُ أنا وأخواتي قدوم العروسَين لنتفرّج على أميرة التي كانت آية في الجمال، متأمّلين أن يدعونا العريس إلى الفرح. وسمعنا دقًّا على الباب ورأينا سمعان وأميرة أمامنا والبسمة على وجهيهما والحقائب في يدَيهما.

أدخلهما أبي وقدّمنا لهما المشرب والمأكل. وحين انتهينا مِن العشاء، وبينما كان سمعان على وشك الرّحيل للعودة في الصباح، سمعنا خبطًا قويًّا على الباب أرعبنا جميعًا. علِمنا فورًا أنّ أهل العروس جاؤوا لاستردادها. ولكنّ الطارق كان أخوها بُعِثَ للتفاوض ولإقناعها بالعودة.

وكعادته، تصرّف أبي بحكمة فأبعد سمعان وأخَذَ أميرة وأخاها إلى غرفة مجاورة للتحدّث:

ـ ماذا تريد؟

ـ أريد أخذ أختي إلى البيت… لا نريدها أن تتزوّج مِن سمعان… تعلم أنّنا لا نحبّ هؤلاء الناس.

ـ أجل، يا بنيّ… ولكن على مشاكل الأهل أن تبقى في ما بينهم… لا دخل للأولاد بها… أختكَ راشدة ويُمكنها اختيار شريك حياتها.”

ثم استدار أبي إلى أميرة وسألها:

ـ تحبّين سمعان؟

ـ بلى… أعني لا… لا أدري…”

كان مِن الواضح أنّ وجود الأخ أخاف العروس، خاصّة أنّه كان ينظر إليها بغضب ويقول لها:

ـ فكّري بجوابكِ… فكّري جيّدًا…

ـ لا أدري… لم أعد أدري!

ـ تعلمين ما سيجري يا أميرة… تعلمين كيف أصير عندما أغضب.”

عندها قالت أميرة لأبي:

ـ لا أحبّ سمعان… ولا أريده!”

كان مِن الواضح أنّ جوابها كان نتيجة خوفها مِن تهديد أخيها الذي كان معروفاً لطباعه البشعة.

عندما رأى أبي أنّ العروس لا تزال متردّدة، وخوفًا منه أن يظلمها، وافق على أن تغادر أميرة مع أخيها. وحين خرج الثلاثة مِن الغرفة بصمت، ورأى سمعان حبيبته تفتح الباب وتخرج مع أخيها بدأ يصرخ ويبكي.

حاولنا تهدأته ولكنّه صبّ غضبه على أبي:

ـ قالوا لي إنّ بيتكَ آمن… أكّدوا لي أنّكَ ستحمينا هنا… أين ذهب نفوذكَ؟ دخل أخوها وأخَذَ حبيبتي بعد دقائق. يا ليتنا لم نأت إليك… لو ذهبنا إلى أيّ مكان آخر لكنّا تزوّجنا غدًا… لقد دمّرتَ حياتي!

ـ يا بنيّ… سألتُ أميرة إن كانت موافقة على الزواج منكَ… وقالت إنّها لا تريدكَ… لا أستطيع إبقاءها رغمًا عنها!

ـ خافَت مِن أخيها… أعرفه جيّدًا… إنّه قاس مثل أبيه… كلّهم وحوش! لهذا السّبب وقَعَ خلاف بين العائلتَين! ماذا سأفعل الآن؟ كيف سأواجه الناس؟ الكلّ على علم بزواجي غدًا! دمّرتَني! سأصبح سخرية العالم بأجمعه! الموت أفضل مِن أن أقضي حياتي هكذا”.

عندها ومِن دون إنذار قال له أبي:

ـ سأعطيكَ دينا”.

عندما سمعتُ إسمي لم أصدّق أبدًا أنّ ابي يعني ما يقوله. نظَرَ إليه سمعان بِدهشة واضحة:

ـ ماذا قلتَ؟؟؟

ـ خذ إبنتي دينا… هي جميلة ومهذّبة”.

عندها صرختُ:

ـ لا أريده! تعطيني له كي لا يخرج مِن هنا خالي اليَدين؟ وهل أنا سلعة؟”

ركضَت أمّي وأخواتي وأحطن بي وبدأنا جميعًا بالبكاء. لم يكن أبي مسرورًا بنفسه ولكنّه لم يتراجع. وأخَذَ سمعان يُفكّر بهذا العرض الغريب. كنتُ فتاة جميلة، ورأى بالزواج منّي فرصة للإنتقام مِن أميرة ولمواجهة الناس. فقَبِلَ بي.

وأخَذَني أبي إلى الغرفة المجاورة وقال لي بعدما أقفل الباب:

ـ سامحيني…

ـ كيف تفعل ذلك بي؟؟؟ أنا إبنتكَ المفضّلة!

ـ لهذا اخترتكِ بالذات… أنتِ الوحيدة التي بامكانكِ فهمي… قضيتُ حياتي أبني سمعتي في البلدة… أساعد الناس وأعطيهم النصائح… باتت حياتي كلّها مبنّية على ذلك… لا أستطيع التراجع الآن.

ـ وتضّحي بي؟ أنا إبنتكَ! ألا تريد أن تراني سعيدة مع رجل أختاره أنا؟ أم أنّكَ مستعدّ لأن تفسد حياتي عليّ مِن أجل سمعتكَ؟

ـ أنا آسف ولكنّني لا أستطيع التراجع الآن… أعطيتُه كلمتي.

ـ إسحبها! إسحبها!

ـ آسف”.

وتزوّجتُ مِن سمعان في اليوم التالي وسط بكاء أفراد عائلتي بمن فيهم أبي. الوحيد الذي كان شبه سعيد كان سمعان الذي استردّ برأيه كرامته وأثبتَ لأميرة أنّه قادر على تخطّي وبسرعة فائقة ما فعَلَته به. ولكنّه ولكثرة غبائه لم يُدرك أنّه اقترن ولمدى الحياة بإنسانة لا تحبّه ولا حتى يُحبّها.

ولكنّني لم أكن مستعدّة للإستسلام، فمنذ البداية أي ليلة الفرح، لم أدَع سمعان يقترب منّي. صحيح أنّني أصبَحتُ زوجته ولكن على الورق فقط. حاول مرارًا أن يُمارس حقوقه الزوّجية ولكنّني بقيتَ أرفض وأركض لأختبئ في الحمّام.

وبعد مرور سنة على هذا النحو قرّر سمعان أخيرًا فسخ الزواج. وعدتُ إلى منزل أهلي منتصرة، ولكن علاقتي بأبي كانت قد دُمّرَت إلى الأبد. لم يعد بطلي بل رأيتُ فيه الضعف والجبن. لم يكن مستقلًّا وقويًّا بل صار ضعيفاً ومربوطاً بكلام ورأي العالم به.

فعَلَ أبي المستحيل لاسترجاع حبّي له، ولكنّه إصطدمَ بفتوري مما سبّب له الحزن العميق وحتى المرض. أظنّ أنّه أدركَ مدى حماقته، وشعَرَ بذنب عميق وذلك حتى مماته، خاصة أنّني لم أتزوّج أبدًا. بقيتُ مع والدَيّ حتى آخر أيّامهما. لماذا لم أتزوّج؟ لأنّ صورة الرجل التي بنيتُها في ذهني منذ ولادتي لم تكن سوى سراب ولم أكن أنوي أن يخيب أملي مجدّدًا.