إستغلّ أختي المعاقة

كانت سلمى، أختي الصّغيرة، فائقة الجمال، ولكنّني لم أشعر يومًا بالغيرة تجاهها حتى عندما كان الناس يقفون مبهورين أمامها. والسّبب أنّ المسكينة لم تكن كباقي البنات، بل كان لدَيها تأخّر في عقلها، وبقيَت طوال حياتها تفكّر وتتصرّف كطفلة صغيرة. وهذه الإعاقة حمَلَتني على حمايتها مِن كلّ ما يُمكنه أذيّتها، خاصة أنّ أبوَينا، وبعد أن اكتشفا أنّ صغيرتهما ليست “كاملة”، شعرا بالخجل وصارا يتصرّفان وكأنّها لم تكن موجودة.

كبرنا سويًّا، أهتمّ بها وأراعي شعورها وأتحمّل نوبات غضبها، عالمة تمام العلم أنّها لم تكن مسؤولة عن تصرّفاتها. وحين أصبحنا مراهقات، أبعدتُها عن الشبّان الذين كانوا يلحقون بها، خوفًا مِن أن تقع بين يدي محتال يستغلّ بساطتها لأغراضه الشخصيّة.

وتعرّفتُ إلى معتزّ، شاب وسيم ومتعلّم ويعيش حياة رخاء على عكسنا. فالجدير بالذكر أنّنا كنّا عائلة متواضعة نأكل ونشرب مِن راتب أبي الصغير.

وافتخَرتُ أن يختارني إنسان كَمعتزّ حين كان باستطاعته الحصول على فتيات مِن طبقته. وبدأنا نتواعد سرًّا لأنّ أهلي كانا محافظين أكثر مِن اللازم، أيّ أنّ أمّي لم تخبرنا يومًا عن الجنس أو عن أيّ شيء يتعلّق بجسدنا. ولكنّني لم أكن غبيّة، وتعلّمتُ كلّ ما احتجتُ أن أعرفه مِن صديقاتي وبعض الكتب.

ولو لم أفعل ذلك لوقعتُ بمصائب كبيرة، خاصة أنّ حبيبي كان يُلّح كثيرًا عليّ للتخلّي عن حيائي، حين كنّا نذهب في موعد ونلتقي في حظيرة مزرعة أبيه. لم أقبل يومًا أن يلمسني واكتفَينا بتبادل القبل. وتشاجرنا أكثر مِن مرّة حول الموضوع وكان يُردّد دائمًا:

ـ سأتركِ وأجد فتاة أكثر انفتاحًا منكِ”.

وبالرّغم مِن حبّي له، بقيتُ مصرّة على موقفي حتى لو كلّفَني الأمر أن أخسره. ولم يكن أحد على علم بوجود معتزّ في حياتي سوى سلمى، لأنّني كنتُ بحاجة إلى مشاركة أحاسيسي تجاهه مع أحد ما. فكنتُ أكلّمها عنه ساعات طويلة، وأصفه لها وأتغّنى أمامها بصفاته إلى درجة أنّها طلبَت منّي أن تراه. ولم أجد مانعًا لذلك، وفي ذات يوم إصطحبتُ أختي لمقابلة حبيبي.

وكباقي الناس، صُدِمَ معتزّ بجمالها الخارق، ولكن سرعان ما أدركَ أنّها تعاني مِن مشكلة. وسُررتُ لأنّه لم يهزأ منها كما يفعل البعض وكبُر حبّي له. وبعد أن شرحتُ له وضعها، أسِفَ لحالتها وأثنى على معاملتي الرّقيقة لها ومِن ثمّ طلبَ منّي أن أصطحبها معي مِن وقت إلى آخر عندما نتلاقي، كي لا تبقى “المسكينة” لوحدها في البيت. فالجدير بالذكر أنّ سلمى لم تكن تخرج مِن البيت إلاّ برفقتي أو لتقصد منزل خالتنا في الحي المجاور لتتسلّى مع إبنتها الصغيرة.

وهكذا أصبحَت أختي تأتي معي بين الحين والآخر، فنجلس مع معتزّ على القش في الحظيرة ويروي لها قصصًا طريفة.

وكانت ستبقى أيّامنا سعيدة لولا الذي حدث لاحقًّا وغيّر حياتنا بصورة دائمة. ففي أحد الأيّام، بدأت تشعر سلمى بغثيان في الصباح وبانزعاج حاد من روائح طهو أمّنا. وتذكّرتُ ما أخبَرَتني به إحدى صديقاتي عن زوجة أخيها خلال فترة حملها.

وكنتُ قد قرأتُ في أحد الكتب أنّ ميعاد المرأة الحامل ينقطع لمدّة 9 أشهر. فركضتُ إلى سلمى وسألتُها بكلّ لطف إن كانت قد حصلَت على ميعادها في ذلك الشهر أم لا. كنّا نستعمل تعبير” الورود الحمراء” كي لا تخاف مِن الأمر:

ـ حبيبتي سلمى… هل وجدتِ ورودًا حمراء هذا الشهر؟

ـ لا… وهكذا أفضل فأنا لا أحبّها! أفضّل ورود الحديقة…

ـ يا إلهي! سلمى… حبيبتي… هل كلّمكِ أحد الشبّان وأنتِ في طريقكِ إلى خالتنا؟

ـ لا… فلقد نبّهتِني ألاّ أكلّم أحدًا في الطريق.

ـ جيّد… جيّد… قولي لي… هل تواجدتِ مع شاب لوحدكِ في مكان؟

ـ أجل… مع معتزّ.

ـ معتزّ؟ متى وأين؟ فأنا دائمًا موجودة عندما نزوره.

ـ لا… ليس دائمًا… في أحد الأيّام عندما خرجتِ مِن الحظيرة لترَي إن كان الطريق سالكاً لنخرج، طلبَ منّي أن آتِي لوحدي في اليوم التالي… قال لي إنّه يُريد أن يخبرني قصّة جميلة لا أحد يجب أن يسمعها غيري… وطلبَ منّي أن أقول إنّني ذاهبة لزيارة خالتي… هل أنتِ غاضبة منّي؟

ـ يا للمصيبة! أكملي!

ـ وذهبتُ إلى هناك وتكلّمنا ومِن ثم علّمني لعبة سرّية… وأعجَبتني كثيرًا…”

لا أدري كيف أصف شعوري عندما أدركتُ ما فعلَه معتزّ. هل كان شعور غضب أم حزن أم خوف أم الثلاثة معاً؟ كان حبيبي قد خانني مع أختي، وأستغلّ بساطتها. ونتيجة لذلك حمِلَت المسكينة منه. ما كان عليّ فعله؟ فضحه أم السكوت؟ والجنين؟ كانت المسؤوليّة أكبر منّي بكثير، لذا حاولتُ التصرّف من تلقاء نفسي قبل أن أضطر إلى إطلاع أهلي بالأمر.

قصدتُ معتزّ بعد أن طلبتُ أن أراه بأسرع وقت. وحين وصلنا إلى الحظيرة أخذتُ أصرخ عليه وأشتمه:

ـ أيّها القذر! يا عديم الأخلاق! كيف تغتصب أختي المعاقة؟!؟

ـ إهدئي… لم أغتصبها بل كانت راضية بالأمر!

ـ راضية؟ هل تظنّ أنّها كانت تعلم بما تفعله؟ إنّها بسيطة! الإغتصاب لا يعني فقط أن نجبر امرأة على الجنس بالقوّة، بل أن نستغلّ ضعفها أو أن نضغط عليها.

ـ أنتِ وكتبكِ!

ـ وكيف تخونني مع أختي، يا سافل؟!؟

ـ أنتِ المسؤولة! تأتين إلى هنا في كلّ مرّة ولا تعطيني سوى بضع قبلات… ومِن ثمّ تصطحبي معكِ فتاة جميلة جدًّا… أنا رجل!

ـ الرّجال ليسوا هكذا! أو على الأقل الرّجال الحقيقيّون! أين الشهامة والأخلاق؟ حسبتُكَ سترعاها وتحميها! أختي حامل منكَ، وعليكَ أن تصلح غلطتكَ.

ـ حامل؟ منّي؟ هل أنتِ متأكّدة أنّ الجنين منّي؟

ـ أصمت، يا منحط! بالطبع هو منكَ! عليكَ أن تتزوّجها!

ـ أنتِ تمزحين حتمًا! أنا أتزوّج مِن معاقة؟ وحتى ولو لم تكن تعاني مِن شيء فلا يعقل أن أقترن بفتاة مِن طبقتكم.

ـ تعني أنّكَ كنتَ تتسلّى معي؟

ـ أجل.”

وامتلأت عَينَاي بالدّموع وخرجتُ أبكي بعيدًا. وعدتُ إلى البيت، وأخذتُ سلمى جانبًا وشرحتُ لها أنّ في بطنها جنين معتزّ. في البدء فرِحَت المسكينة وقالت:” سيكون لي عروسة ألعب بها وأتسلّى؟”، ولكنّني أخبرتُها أنّ الأمر أكثر تعقيدًا مِن ذلك، وأن معتزّ إستغلّها وأنّه لا يريد الزواج منها لأنّه لا يُحبّها. وتلك كانت غلطتي.

فقد تركَتني سلمى منشغلة مع أمّي في المطبخ وركَضَت إلى معتزّ لتستفسر منه. حين رآها آتية إليه، سحبها فورًا إلى الحظيرة:

ـ ماذا تفعلين هنا؟ قد يراكِ أحد! ماذا تريدين؟ ألم تقل لكِ أختكِ أنّني لا أريدكِ؟

ـ ولما لا؟ سألبس فستانًا أبيضًا جميلًا ويأتي الناس ليُباركوا لي…

ـ أنا أتزوّجكِ؟ أنتِ معاقة عقليًّا! معاقة! هل تعلمين ماذا يعني ذلك؟ يعني أنكِ بلهاء! غبيّة! متأخرّة عقليًّا عن باقي الناس! هيّا أخرجي مِن هنا ولا تعودي أبدًا! أنا أتزوّج منّكِ؟ يا للدعابة!”

وحين قال لها معتزّ هذا الكلام الجارح، تملّك أختي غضب لا مثيل له، وأمسكَت مجرفة كانت في الحظيرة وضربَته على رأسه فوقَعَ أرضًا. وهربَت وجاءَت تخبرني بأنّها قتلَت معتزّ. عند ذلك قرّرتُ إخبار أهلنا.

لن أتكلّم مطوّلًا عمّا جرى في بيتنا مِن صراخ وبكاء. ولكنّ أبي قرّر أن يُسلّم نفسه للشرطة، ويُلبس نفسه تهمة القتل، ربما لأنّه أدركَ أنّ ما حصل هو نتيجة إهماله لها هو وأمّي. أمّا هذه الأخيرة فجلَست في الزاوية وبدأت بالنحيب.

ولكن قبل أن يذهب أبي إلى الشرطة، قرّرتُ أن أقصد المزرعة خلسة لأرى كيف هو الوضع. والتقَيتُ بأحد العاملين وسألتُه عن معتزّ، فقال لي إنّه في المستشفى بعد أن وقَعَ عن سلّم الحظيرة وآذى رأسه.

عندها أدركتُ أنّه لم يكن يُريد أن يُفضح أمره. وعدتُ إلى البيت لأمنع أبي مِن أن يُسلّم نفسه. وبعد أن ارتاح باله، قصد والدي أهل معتزّ ليطلب منهم أن يُجبروا إبنهم على تصحيح غلطته ولكن كان ردهمّ:

– سكوتنا عن محاولة قتل إبنتكم لإبننا مقابل سكوتكم عن حملها منه”.

وأدرك أبي أنّ هؤلاء الناس لن يرضوا أبدًا بسلمى زوجة لإبنهم بسبب وضعها الخاص وطبقتها الإجتماعيّة، وأنّهم لن يتردّدوا بالإبلاغ عنها وأنّها ستقضي حياتها في مؤسّسة للأمراض العقليّة.

لِذا تقبّل هو وأمّي مسألة الحمل كأمر لا مفرّ منه. والحقّ أقول إنّ فكرة الإجهاض لم تمرّ ببال أيّ منّا، أوّلًا لأنّها تُعتَبر جريمة، وثانيًا خوفًا على حياة سلمى وتأثير فقدانها لجنينها على صحّتها العقليّة. فهي كانت تنتظر “عروستها” بفارغ الصبر لتلعب معها.

ووُلِدَت سارة بعد أن واجهنا نظرات وكلام الناس بشجاعة. وتفاجأتُ كثيرًا بموقف أبوَيّ تجاه ما حصل. فمِن التجاهل الكلّي لابنتهما المعاقة، أصبحا أقوى المدافعين عنها. أحاطاها بمحبّة طيلة فترة الحمل وبعد الولادة. فلربّما أدركا أنّ الأولاد المعاقين ليسوا إلا من ذوي الإحتياجات الخاصة وأنّهم ملائكة.

لقد بلَغَت إبنة سلمى الثالثة مِن عمرها، ونحن نرعاها ووحيدها بحبّ وحنان، لكننا لا نزال حتى اليوم ننتظر حلًّا لوضعها الإجتماعي.