هربتُ مِن أهلي ليلًا

ما هو الحب؟ لقد حاول الكثير تفسير هذا الشعور الجميل والنبيل، ولكنّه برأيي وحسب خبرتي أنّه وليد الإهتمام والعاطفة التي نجدها عند الآخرين تجاهنا. وكلّما كان ذلك الإهتمام بعيدًا عن المنفعة الشخصيّة، كلّما زاد حبّنا لهذا الشخص الذي يُعطينا مِن نفسه بدون مقابل.

هكذا كان مهنّد. وحين وجدتُه لم أعد مستعدّة للعيش مع آخر أو مِن دونه. وإذا كنتُ أعيش سعيدة معه اليوم، فذلك يعود إلى إصراري وكفاحي بعد أن حاول الجميع وحتى الجغرافيا التفريق بيننا.

لم يكن مهنّد زوجي الوحيد، بل كنتُ متزوّجة مِن فراس، رجل أنانّي وكريه وبخيل يكبرني بـ 25 سنة. لم أحبّه يومًا لأنّني لم أختَره بنفسي بل أمّي هي التي فعَلَت بسبب حسابه المالي وأملاكه. باعَتني له بموافقة أخي الكبير الذي رأى بتلك الزيجة فرصة للعيش المريح والتباهي أمام الناس.

وعانيتُ مِن فراس الذي كان لا يُفوّت فرصة لإهانتي وتحجيمي، بعدما رأى أنّ الفتاة التي اختارها لم تكن بالسّذاجة التي تمنّاها. وبسبب فارق العمر بيننا، بدأ زوجي يغار عليّ مِن بدون سبب وجيه، ولم يعد يسمح لي بالخروج. والشيء الوحيد الذي كان يتأمّله منّي كان أن أعطيه وريثًا.

وطال انتظاره، فلم أنجب إلّا بعد سبع سنوات وبعد أن فقد الأمل وصار يعتبرني عبئًا عليه، وكما كان يقول لي “إستثمارًا فاشلًا.” ووُلِدَ ابننا إبراهيم، واعتقَدتُ كباقي النساء أنّ زوجي سيتغيّر بعد ذلك. ولكنّه اعتبر أنّني أؤدّي واجباتي، وأنّ ذلك مِن حقّه بعد كلّ الذي صَرَفَه عليّ مِن مال.

وأصبح إبراهيم رجائي الوحيد وسلوَتي، لأنّ أمّي رفضَت أن تأتي لمساعدتي قائلة:” لقد ربّيتكما أنتِ وأخاكِ لوحدي… لم يُساعدني أحد… يُمكنكِ فعل ذلك أيضًا.”

وكم خابَ ظنّي بأهلي، لأنّني أدركتُ أنّني لست بالنسبة لهم سوى مصدر رزق. فالجدير بالذكر أنّني كنتُ أحوّل لأمّي معظم ما كان فراس يُعطيني إيّاه، وذلك لأنّني إنسانة طيّبة أفكّر بالآخرين قبل أن أفكّر بنفسي.

ولم أعد أطيق حياتي، خاصة بعدما قال لي زوجي إنّ عليّ العمل على إعطائه إبنًا ثانيًا ليحمل إسمه في حال مات الأوّل. قال ذلك بكلّ بساطة بدون أن تدمع عَينه حتى.

أيّ أب يُفكّر بموت صغيره؟ عندها قرّرتُ الرحيل. وأقمتُ ضدّه دعوة خلع عالمة تمام العلم بأنّني إن حصلتُ على الحكم فلن أحظَى بشيء منه، ولكنّ المال لم يكن يومًا جزءاً مِن المعادلة. ولكن بالنسبة إلى أمّي وأخي كنتُ بذلك أقترف جريمة بحقّهما، فلم يكونا مستعدّين للعودة إلى حياتهما السابقة، ناهيك عن شماتة الناس بهما. ولكنّني بقيتُ مصرّة وعدتُ إلى المنزل الأبويّ مع إبني فارغة اليدَين.

يا لَيتني بقيتُ مع فراس! فقد عمِلَت أمّي بمساعدة إبنها على تحويل حياتي إلى جحيم. فإلى جانب الشتائم، حوّلاني إلى خادمة لدَيهما. كلّ ذلك كان مقبولًا أمام موقفهما مِن إبني إبراهيم. فقد كان بالنسبة إليهما عبئًا لا لزوم له.

وعدتُهما بأنّني سأجد عملًا لأصرف على نفسي وعلى إبني، ولكنّ ذلك لم يُخفّف مِن عنفهما اللفظي والجسديّ له. وفي ذات ليلة، ضرَبَ أخي ولدي وكسَرَ ذراعه، فقط لأنّه كان يبكي بصوت عالٍ.

ورجوتُ أخي أن يأخذنا إلى المشفى ولكنّه رفض قائلًا:” دعيه يموت!” فأخذتُ ابراهيم وركضتُ به إلى الطريق على أمل أن أجد سيّارة تقلّنا. وبعد انتظار دام أكثر مِن ربع ساعة على صوت صراخ صغيري، مرَّت أخيرًا سيّارة أجرة.

أوقفتُ السائق وتوسّلتُ إليه أن يأخذنا إلى الطوارئ، بعد أن أخبرتُه أنّني لا أملك مالًا. وقَبِل معي وأخذَنا بسرعة إلى المشفى. وعندما وصلنا قال لي الرجل:

ـ سأنتظركما هنا.

ـ ولكن…

ـ هيّا! ألا ترَين كم أنّ المسكين يتألّم؟”

وعندما انتهى الطبيب مِن معالجة إبراهيم، وجدتُ السّائق بانتظارنا. سألَني عن حال إبني وأعادَني إلى المنزل. وشكَرتُه كثيرًا وسألتُه عن إسمه. وعندما علمت أنّ اسمه مهنّد، قلتُ له:” شكرًا مهنّد… أنتَ رجل صالح… كنتُ إلى هذا الحين أظنّ أنّ الرجال كلّهم سواء ولكنّني اكتشفتُ أنّ الدنيا لا تخلو مِن الطيّبين.”

وعدتُ إلى البيت حيث أقفلتُ باب غرفتي على نفسي وعلى إبني كي لا أرى بشاعة أهلي. أمّا هما فلم يسألاني حتى عن إبراهيم وكأنّ شيئًا لم يكن. ولم أخرج مِن غرفتي سوى لجلب بعض الطعام والماء مِن المطبخ إلى الغرفة ودخول الحمّام.

وبقيتُ على تلك الحالة لمدّة أسبوع، وحين قرّرتُ الخروج أخيرًا، ذهبت لأبحث عن عمل يتيح لي الرّحيل والسكن بعيدًا. وأخذتُ إبراهيم معي خوفًا مِن أن أتركه مع أمّي وأخي. وحين بلغتُ آخر الشارع، رأيتُ مهنّد جالسًا في سيّارته:

ـ مهنّد! يا للصّدفة!

ـ ليست صدفة… كنتُ بانتظارك.

ـ ماذا؟ كيف علِمتَ أنّني سأمرّ مِن هنا اليوم؟

ـ لم أكن أعلم… لذا كنتُ آتي كلّ يوم… عدّة مرّات… كيف حال إبراهيم؟

ـ كما ترى… أفضل، والحمد لله.

ـ إلى أين أنتِ ذاهبة؟

ـ أريد إيجاد عمل… لم أعد أستطيع البقاء حيث أنا.

ـ إصعدي… ستخبريني قصّتكِ ونحن في طريقنا.

ـ إلى أين؟”

وأخَذَني مهنّد إلى ابنة عمّه التي تملك محلًّا لبيع الألبسة، وأوصاها بي:” ستعمل عندكِ… ويستطيع إبراهيم البقاء مع العاملة.” وعدتُ إلى المنزل وقلبي مليء بالفرح والأمل، وأخبرتُ سكّان البيت عن عملي الجديد، الأمر الذي أراحهما لأنّني كنتُ سأصرف عليهما مِن جديد.

ولكنّني لم أخبرهما أنّني أنوي الرحيل حالما أجمع بعض المال وأجد مكانًا للسّكن. وطيلة تلك المدّة، بقيتُ أجهل كلّ شيء عن ذلك الرجل النبيل. ولكن عندما باح لي بحبّه لي سألتُه عن حياته فأجاب:

ـ أنا وحيد… لا أمّ ولا أب ولا زوجة ولا ولد… حياتي هي سيّارتي والطرقات التي أجوبها… لم أحبّ يومًا إلى أن رأيتكِ مع ولدكِ… ألمكما وضياعكما حرّكا في قلبي عاطفة كنتُ أخالها ماتت منذ زمن بعيد… تزوّجيني وسأفعل جهدي لأكون أفضل رجل وأفضل أب.”

وطرتُ مِن السعادة، وأسرعتُ بإخبار أمّي بالأمر آملة أن تفرح لي. ولكنّها غضِبَت واتصَلت بابنها الذي قَدِمَ بسرعة لإقناعي بالعدول عن الزواج. فقد كان زواجي يعني عدم تمكّنهما من الإستمرار في استغلالي… فهما كانا يحيكان لي مشروعًا آخرًا.

ولكنّني بقيتُ مصرّة. عندها سافرَت أمّي في اليوم التالي إلى أختها التي تعيش في بلد مجاور. إستغربتُ الأمر، ولكنّني كنتُ منشغلة بتحضير نفسي للإقتران بمهنّد. وبعد بضعة أيّام جاء أخي صارخًا:

ـ أمّي! دهسَتها سيّارة وهي الآن بين الحياة والموت! هيّا بنا نذهب قبل فوات الأوان:

وصدّقته بسبب براعته في التمثيل، فلم أتصوّره قادرًا على ذرف الدموع بهذه الغزارة وعن كذب.

ورافقتُه مع إبني بعد أن أطلعتُ مهنّد على الأمر، وقلتُ له إنّني عائدة بعد بضعة أيّام وإنّني سأتصل به يوميًّا. ولكن عند وصولنا إلى ذلك البلد لم يأخذني أخي إلى المشفى أو إلى منزل خالتي، بل إلى منزل في الجبال حيث وجدتُ أمّي بألف خير. وفهمتُ اللعبة.

إضافة إلى ذلك، علِمتُ أنّ عريسًا غنيًّا ينتظرني. وشعرتُ بخيبة فاقَت غضبي، وحسدتُ مهنّد على وحدته، فأن يكون الإنسان يتيمًا أفضل بكثير مِن أهل كأهلي. وأخَذَ أخي هاتفي منّي كي يمنعَني مِن الإتصال بحبيبي أو بأيّ أحد. وتظاهرت بالقبول خوفًا مِن أن يؤخَذ إبني منّي للضغط عليّ. وبعد أيّام قليلة، جاء العريس وابتسمتُ له وقدّمتُ له العصير والقهوة وتحدّثتُ إليه.

وفي الليلة ذاتها، أخذتُ إبني وهربتُ به بدون أن أنسى أن آخذ معي بعض المال. مشيتُ في الجبال والأحراج وسط أصوات مخلوقات الليل، إلى أن وصلتُ بحالة مزرية إلى منطقة مأهولة. ولكنّ الناس كانوا نياماً، ولم أجد أحدًا لمساعدتي. جلستُ على حافة الطريق وإبني نائم على ذراعي، وأرَحتُ قليلًا جسمي المتعب قبل أن أتابع المشي. وحين استيقظَت المدينة، وجدتُ باصًا ليقلّني إلى الحدود.

وكم كانت دهشتي كبيرة وشعوري لا يوصف عندما رأيتُ مهنّد ينتظرني هناك بسيّارته. إنهالَت الدّموع على خدّيّ وكادَ أن يُغمى عليّ مِن التعب. حملَني حبيبي إلى السيّارة مع إبني وغرقتُ بالنوم. وعندما استيقظتُ قلتُ له:

ـ كيف علِمتَ؟

ـ قلتِ إنّكِ ستتصلين بي يوميًّا ولم تفعلي… إنتظرتُ يومًا اضافيًّا ومِن ثم عَبرتُ الحدود لأبحث عنكِ حيث قلتِ لي إنّكِ ستمكثين. ولكنّ خالتكِ قالت لي إنّها لم تركِ أو أيّاً مِن عائلتكِ، فبدأتُ أجول في المنطقة سدىً. عندها قرّرتُ انتظارك عند الحدود.

ـ ومَن قال لكَ إنّني سأهرب وأعود؟

ـ حبّكِ لي وإصراركِ على العيش بكرامة.

ـ وماذا لو لم أستطع الهرب؟

ـ لكنتُ فتّشتُ عنكِ في أنحاء المعمورة كلّها… أنتِ كلّ ما لدَيّ… كيف لي أن أعيش مِن دونكِ؟”