زوّجَته مِن أخرى لِتسلبَ ماله

عندما أخبرَنا أخي محمّد أنّه يريد الزواج مِن صفاء سكنّنا الهمّ لأنّها كانت فائقة الجمال وكثيرة الدَلَع وكنّا قد سمعنا عنها أخباراً غير مطمئنة. وبالطبع مانعَ الأهل وكل مَن كان يعرف الصبيّة ولكنّ أخي بقيَ مصرّاً عليها. وأعتقدنا أنّه سينساها مع الوقت خاصة أنّه كان مقدّراً له أن يسافر لأشهر طويلة لِيعمل على ورشة بناء ضخمة.

ولكنّه كان قد أخَذَ مِن صفاء وعداً بأن تنتظره وبألاّ تقبل بالعرسان العدد الذين كانوا يدقون بابها يوميّاً. وكي يبقيان على تواصل قال لي محمّد في ذاك يوم:

ـ غادة حبيبتي… أنتِ الوحيدة التي تفهمين حبّي لِصفاء.

ـ أفهمه ولكنّني لا أقبل به… ما بكَ لا ترى الصورة بِوضوح؟ البنت مطلوبة مِن أغنى الأغنياء ومِن أوسَم الشبّان ناهيكَ عن سلوكها.

ـ لا أسمحَ لكِ بالتكلّم عن حبيبتي هكذا! وهل هذا يعني أنّني فقير وقبيح؟

ـ عذراً أخي… ألف بنت تتمنّاك ولكنّكَ متوسط الدخل… لا أفهم كيف قبلَت بكَ.

ـ وتتابعين كلامكِ المؤذي؟ الفتاة تحبّني! وبشأن الأقاويل التي تسري عنها فسببها جمال صفاء… الناس لا تطيق هذا الكم مِن السحر والدلال… الغيرة يا أختي تدفع الناس إلى الأذيّة… إسمعي… أريدكِ أن تنقلي لها رسائلي خلال غيابي وتبعثي لي بالرد… سأدعّي أنّني أكتب لكِ وسأضع اسمكِ على الرسالة وفي داخلها ورقَتين: واحدة تقرأينها للأهل والثانية تحملينها لِصفاء… لا أريد أن يعلم أحد بالموضوع… أفهمتِ؟

– ولِما لا ترسل مكاتيبكَ اليها مباشرة؟

– لأنّ أهلها متشدّدين جدّاً.

– ها ها ها! أنتَ تمزح حتماً… الفتاة تخرج كل يوم مع شاب!

– كفى سخرية… افعلي ما أطلبه منكِ.

وقبلتُ أن أنفّذ ما أراده منّي لأنّني أحبّه ولأنّه أخي الوحيد. وسافَرَ محمّد ويوم وصوله كتبَ لنا أو بالأحرى لها تحت الغطاء المتّفَق عليه. وبعد أن وصل المكتوب قرأتُ لأبوَينا القسم المخصّص لهما وأخذتُ الثاني لِحبيبة أخي.

دقَّيتُ بابها وفتحَت لي وقلتُ بِنفسي أنّها فعلاً جميلة. كان شعرها بِسواد الليل وبشرتها فاتحة وعيونها مِن لون حشيش الربيع. أمّا فمها فكان زهريّ اللون وخدودها ملّونة طبيعيّاً. وضحِكَت بِصوت عالي عندما قلتُ لها عن سبب وجودي أمامها.

وشعرتُ بأنّها تسخر منّي ومِن أخي ولكنّني على الأقل نفّذتُ مهمّتي. وعندما سألتُها إن كان عليّ الإنتظار حالما تكتب الجواب قالت لي:

ـ أذهبي فليس لَدَيّ الوقت الأن لأقرأ أو أكتب الرسائل.

ـ متى تريدينني أن أعود إذاً؟

ـ لِنرى… غداً لَدَيّ موعداً عند الخياطة… وبعد غداً غداءً مع… ما سمه؟ آه… زياد… تعالي بعد ثلاثة أيّام.

وأقفلَت الباب بِوجهي وكأنّني متسوّلة. ولِكثرة غضبي فكرّتُ بالكتابة لِمحمّد وأقناعه بالعدول عنها ولكنّني لم أشأ التدخّل بِحياته. لِذا أنتظرتُ ثلاثة أيّام وعدتُ إليها وأعطَتني مكتوباً دون أن تنظر إليّ.

وأنا في طريقي إلى مكتب البريد قرأتُ المقطع الصغير التي بعثَته لأخي وتفاجأتُ بالأسطر المليئة بالحب والشوق. وهززتُ بِرأسي عالمة أنّها أكاذيب ولكنّني لم أفهم سبب قبول صفاء بِمحمّد. وسلكتُ طريق منزل صفاء طوال غياب أخي حتى أن عادَ أخيراً محمّلاً بالهدايا والمأكولات المحليّة.

عانقني مطوّلاً وشكَرَني على مساعدتي له وأعطاني علبة مخمليّة صغيرة. عندما فتحتُها رأيتُ عقداً مِن لؤلؤ وبدأتُ أصرخ مِن الفرح. ولكنّ أخي قال لي:

ـ أجمل عقد لأجمل عروس… هديّة لأشكرها على أنتظاري.

لو استطعتُ لَقلتُ له أنّ صفاء لم تنتظره بل كانت تخرج مع كل مَن دعاها للغداء أو العشاء. ولو استطعتُ لَصرختُ له أنّني ظننتُ أنّ الهديّة لي لأنّني أخته ولأنّني قضيتُ وقتي ألعب دور ساعي البريد.

وتزوّج محمّد مِن صفاء بعدما رضخا أخيراً للأمر الواقع خوفاً مِن أن يخسرا إبنهما. وسكنَ العروسان معنا بالرغم أنّه كان يملك ثمن شقّة جديدة. علِمتُ بعد فترة أنّ صفاء أقترحَت عليه أن يفتحا حساباً مصرفيّاً مشتركاً ويضعا فيه المال الذي كان يدخره منذ سنين.

عندها علِمتُ سبب أعجاب تلك الممثّلة البارعة بأخي. ولكن لم أفهم بعد سبب رفضها لكل هؤلاء الأثرياء الذين كانوا أغنى مِن أخي بكثير. وبدأَت صفاء بِسحب مبالغاً صغيرة مِن هذا الحساب كي لا ينتبه أخي لِشيء وتضعها في حساب خاص.

وفي تلك الأثناء لم تتكبّد زوجة أخي العناء بِمعاملتنا بِلطف بل كانت بغيضة معنا عن قصد كي نشعر بارتياح عندما تترك محمّد ونقنعه أنّه بأفضل حال مِن دونها. أمّا هو فكان يفعل المستحيل لِتلبية رغباتها المتكاثرة يوم بعد يوم. وأحتارَ المسكين لِكيفيّة اسعادها وحاوَل حتى أن يأخذها في سفرة خارج البلاد ولكنّها رفضَت طبعاً خوفاً على المال الذي كانت تنوي أخذَه.

وفي ذات يوم جاءَت امرأة شابة لِزيارتها. جلستا سويّاً في الصالون بعدما أقفلَت صفاء الأبواب. حاولتُ سماع حديثهنّ ولكن أصواتهنّ كانت جدّ خافتة. وبعد حوالي الساعة عاد أخي مِن عمله وعرّفَته صفاء على صديقتها نرمين. وبعد قليل غادرَت الضيفة. وسمعتُ صفاء تقول لِمحمّد:

ـ أليست جميلة؟ ما رأيكَ بها؟

ـ بلى هي أجمل منّي… رأيتُ كيف كنتَ تنظر إليها.

وبقيَ أخي يقول أنّه لم يُعجب بها حتى أن دخلا غرفتهما ولم أعد قادرة على متابعة حديثهما. وبعد حوالي الشهر على هذه الحادثة أخَذَني محمّد على حدىً وقال لي:

ـ تريدني صفاء أن أتزوّج نرمين.

ـ ولِما تفعل؟ ألا تحبّ زوجتكَ؟ وهي؟ ألا تحبّكَ؟

ـ بلى… ولكنّ صفاء تقول أنّ صديقتها لا تملك أوراقاً قانونيّة وهي بحاجة إلى الزواج لِتبقى في البلد… سيكون زواجاً صوَريّاً فقط… ما رأيكَ؟

ـ أيّاكَ أن تفعل! اسمع… لم أكن أريد أن أقول ذلك ولكنّني لا أحب زوجتكَ… هي ماكرة وأنتَ الوحيد الذي لا يدركَ ذلك! ما بكَ؟ لطالما كنتَ ذكيّاً وكنتَ قدوة لي ولِغيري… كيف تفقد صوابكَ بهذه السهولة؟

ـ لم يكن يجدر بي أن أخبركِ… خلتُكِ صديقة لي… سأتصرّف كما يحلو لي.

ـ أيّاكَ! أرجوكَ يا محمّد!

ولكنّه لم يسمع منّي وتزوّج مِن نرمين وجاءَت تلك المرأة لِتسكن معنا. وبالطبع لم يكن أبوَينا موافقَين على ما يحدث ولكنّما مرّة أخرى رضخا لِرغبات إبنهما لأنّه كان الولد الوحيد.

وبات لدَى أخي زوجَتَين ومطاليب كثيرة وهمّ أكبر. صحيح أنّه لم يعاشرها ولكنّ نرمين كانت تتصرّف وكأنّها حقّاً زوجته على الأقل حالما تجهّز أوراقها.

وأنتظرنا جميعاً أنتهاء هذه المهزلة ولكنّ الأحداث كانت ستتفاقم بِشكل غير متوقّع. فبعد شهر على قدوم نرمين أختفَت صفاء ولم تنسَ أن تفرغ الحساب المصرفيّ وأخذ كل مجوهراتها وثيابها.

كانت قد عمَلَت على تهريب أمتعتها قطعة بعد قطعة كي لا يشك أحد بشيء. ولم يفهم محمّد حقيقة ما حدث إلاّ عندما وصله إتصالاً مِن المصرف لإعلامه بأنّ حسابه قد أُقفِلَ.

عندها بدأ بالبكاء والصراخ كالطفل وعمِلنا جميعاً على مواساته خاصة نرمين التي رأت بذلك فرصة للعب دور الزوجة الحنونة. ولأنّ محمّد كان مستاءً وحزيناً التجأ إلى نرمين وأصبحَت زوجته بكل معنى الكلمة. وبعد أسبوعَين علِمنا أنّها حامل.

وهكذا ذهبَت زوجته وتركَت مكانها أعزّ صديقة لها.
ومع نرمين نسيَ محمّد أمر صفاء وأمر المال وبات كل همّه مجيء المولود. كنتُ أعلم أنّ الأمور لن تنتهي على خير لأنّ نرمين أتَت عن طريق صفاء ولا يمكن أن ينتج مِن ذلك إلاّ الأذى. وفي ذات يوم أفتعَلَت نرمين شجاراً مع أخي. أقول أفتعَلَت لأنّني كنتُ موجودة حين حصلَ ذلك.

بدأا يصرخان على بعضهما ومِن ثم ركضَت نرمين إلى الخارج وهي تقول: “أنتَ لا تحبّني!” ورَمَت نفسها على الأرض. ومِن ثم بدأت تصرخ مِن الوجع ماسكة بِبطنها ومردّدة: “هل أنتَ سعيد الآن؟ مِن المؤكّد أنّكَ قتلتَ جنيني!”.

وبالرغم مِن اصرارنا على أخذها إلى المستشفى رفضَت بِقوّة وطلبَت أن نأتي لها بسيّارة أجرة. ركبَت فيها وأختفَت.

بحَثَ عنها أخي في كل مكان ولكنّه لم يجدها. حاولتُ أفهامه أنّها لم تكن حاملاً يوماً وأنّها لحِقَت بصديقتها ولكنّه لم يصدّقني. وبعد أسبوع وصلَه خبر أنّ نرمين تطلب منّه أن يطلّقها هي وصفاء وإلاّ أخبرَت الشرطة أنّه عنّفها ما أحدثَ الاجهاد.

قلتُ لِمحمّد أن يتجاهل طلبها وأنّها لن تستطيع تنفيذ تهديدها لأنّ المحكمة ستطلب حتماً تقريراً مِن طبيب شرعي الذي سيكشف أنّها لم تكن حاملاً أساساً. ولكنّه خافَ مِن فكرة السجن وطلّق الإمرأتَين. وعندما انتهَت الأمور وهدأ أخي جلستُ معه وشرحتُ له كيف تلاعبَت به صفاء.

فكانت قد أختارَته بسبب طيبة قلبه وعدم قدرته على إيذائها على عكس الأغنياء الذين تقدّموا لها واللذين لدَيهم محاميّين بارعين قادرين على الوصول إليها. وبعدما تزوّجَت منه جاءَت بِصديقتها التي كانت بحاجة إلى أوراق قانونيّة وألصَقتها به ريثما تهرب مع المال كي لا يشعر أنّه لم يعد يملك شيء.

ولكنّ نرمين لم تكن تنوِ البقاء مطوّلاً هي الأخرى لِذا أغوَته لتدّعي أنّها حامل منه وتفتعل حادث أجهاد وهميّ. وضغطَت عليه لِتحصل الإمرأتَين على الطلاق وتستِطعنَ الاستمتاع بِماله والبحث عن ضحيّة أخرى. وعندما أنتهَيتُ مِن الكلام نظَرَ إليّ محمّد وسألَني:

ـ وكيف أستطعتِ أستنتاج كل ذلك؟

ـ لأنّ لدَيّ أذنَين وعَينين!.