دفَعتُ زوجي إلى لزواج مِن غيري بدون بقصد

ما جرى لي يُشبه قصص الأطفال، ولولا جديّة الأمر وما حدَثَ لي ولإبنتي لضحِكتُ مِن نفسي. وإلى جانب ما فَعَلَته حماتي وبناتها بي، يقع اللوم عليّ وعلى زوجي لعدم قدرتنا على التواصل أو حتى رؤية الشرّ الموجود حولنا. إختيار فاضل لي بدلًا مِن إبنة خالته أوجد في قلب أمّه نقمة لا مثيل لها تجاهي وكأنّني كنتُ السّبب في هذا الإختيار. فما شدّنا إلى بعضنا كان حبّ قويّ لاحدود له. وكان مِن البديهيّ أن نقضي باقي حياتنا سويًّا.

حاولتُ طبعًا إستمالَت حماتي وبناتها، وأقسم أنّني فعَلتُ ما بوسعي لأثبت لهنّ أنّني إنسانة تستحق الحبّ والتقدير… ولكن مِن دون جدوى. كان الكره قد ملأ قلوبهنّ وبدأَت الخطط الدنيئة تسري في عقولهنّ.

ولم تكفّ أمّ فاضل عن توبيخ إبنها وعن محاولة إقناعه بتركي أو على الأقل إتخاذ إبنة أختها زوجة ثانية له، ولكنّه بقيَ يرفض. ومع مرور الأيّام والأشهر، بات كلّ لقاء بين الأبن وأمّه يتخلّله مناكفات وشجارات، وكلّ ذلك مِن غير علمي. فزوجي أرادَ تجنيبي ألم معرفة حقيقة أمّه، لذلك كذبَ عليّ وخبّأ عنّي أنّه لم يعد يذهب لزيارة حماتي إلاّ نادرًا.

وأنجبتُ مريم، إبنتي، وكانت فرحتنا أكبر مِن أن توصَف، وانتظرتُ مِن أهل زوجي أن يُحيطوني ويُساعدوني خاصة أنّ عائلتي بأسرها كانت تعيش في الغربة. ولكنّني لم أرَ أيّاً منهم وتدبرّتُ أمري لوحدي.

وخلال ذلك الوقت، بقِيَت إبنة خال فاضل مِن دون زواج متأمّلة بما وعَدَته بها حماتي، أي أنّها ستصبح كنّتها مهما طال الزّمن. ولكن المسكينة، ولكثرة يأسها، حاولَت ذات يوم إنهاء حياتها بابتلاع حبوب منوّمة ممّا أودى بها إلى المشفى والخضوع لغسل معدتها.

عندها أدركَت حماتي أنّ حياة إبنة أختها بخطر وعليها التصرّف بسرعة.

وحاكَت تلك المرأة الشريرة مكيدة محكمة بمساعدة بناتها اللواتي اعتدن على تنفيذ أوامرها بدون تردّد.

وفي أحد الأيّام، بينما كان فاضل يزور أمّه، وصَلَت بنات حماتي إلى بيتنا وعلى وجوههنّ علامات الهمّ العميق. قالت لي إحداهنّ:

ـ أسرعي يا هناء! عليكِ وضع حدّ لما يحصل بين أمّنا وفاضل!

ـ ما الأمر؟

ـ ستنهار أمّنا مِن كثرة عذابها… كلّما طلبَت شيئًا مِن أخينا جابهها بالرّفض وكأنّه يكرهها!

ـ أبدًا… يُحبّها ويحترمها كثيرًا… إلى جانب ذلك فهو إنسان طيّب وخدوم.

ـ هذا امامكِ فقط… الآن هو عندنا في البيت يتشاجر معها… إنْ حصل لها أيّ مكروه فستكونين أنتِ السبب!

ـ أنا؟ وما دخلي؟

ـ تظنّ أمّنا أنّكِ تحملينه على معاندتها… فهي حماتكِ…
ـ لو أخبرَني بما يدور لكنتُ طلبتُ منه أن يُطيعها… الأمّ مقدّسة لدَيّ خاصة أنّ والدتي بعيدة عنّي… حاولتُ التقرّب مِن أمّكنّ ولكن…

ـ الآن فرصتكِ لإظهار حسن نيّتكِ… تعالي معنا وأقنَعي زوجكِ بتلبية طلبات أمّه بدون تردّد!َ”

ورافقتُ تلك الأفاعي إلى منزلهنّ، ووجدتُ فاضل هناك يتشاجر مع أمّه ويقول لها:” لن يحصل ذلك أبدًا! ألم تفهمي بعد أنّني لن أقبل بذلك؟ مِن الأفضل أن أقطع زياراتي عنكِ نهائيًّا!”

وعند سماعه يقول ذلك، دبّ الحماس فيّ وصرختُ به:

ـ فاضل! كيف تكلّم أمّكَ بهذه الطريقة؟ نفّذ لها ما تريد!

ـ ماذا تقولين؟ تريدينني أن أقبل بِ…

ـ قلتُ لكَ أن تكفّ عن معاندتها… إفعل ما تطلبه منكَ بدون مجادلة!

ـ وأنتِ موافقة؟

ـ بالتأكيد!

ـ هناء… فكّري جيّدًا في ما تقولينه!

ـ أتحّمل مسؤوليّة كلامي… إن بقيتَ على عنادكَ لن ترى وجهي مجدّدًا.”
وسكَتَ فاضل مطوّلًا ثم نظَرَ إلى امّه وقال لها:

ـ حسنًا يا أمّي.”

بالطبع لم أكن على علم بأنّني دفعتُ زوجي إلى الزواج مِن غيري، فكيف لي أن أتصوّر أنّ ذلك ممكن؟ حقاً لم أعرف يومًا أحدًا بمكر حماتي وبناتها، وكنتُ أعتقد أنّ هذا الصّنف مِن البشر موجود فقط في الأفلام والروايات.

وبعد أيّام، تزوّج فاضل مِن إبنة خالته وسكَنَ معها في شقّة إستأجرها لذلك الغرض، وبقيتُ لوحدي مع إبنتي أبكي حظّي السيّء. وكان فاضل مستاء منّي كثيرًا لاعتقاده أنّني لم أعد أريده، وبقيَ مصرًّا على عدم تقبّل اتصالاتي العديدة.

ولكن عائلة زوجي لم تكن مسرورة ببقائي على ذمّة فاضل، وكانت حماتي لاتزال مصرّة على أن يُطلّقني. وبما أنّ ابنها لم يكن مستعدًّا للتنازل عنّي لكثرة حبّه، لي قرّرَت أن تجد طريقة لحملي على الرّحيل، فأرسلَت بناتها مجدّدًا إليّ ولكن هذه المرّة لا للتكلّم معي بل لإيذائي.

ففور دخولهنّ، بدأَنَ بضربي بوحشيّة أمام إبنتي الصغيرة التي بدأت بالبكاء والصّراخ. ولكنّ ذلك لم يردعهنّ بل زاد مِن وحشيتهنّ تجاهي. وقبل أن تغادرنَ بيتي، أخَذَنَ مجوهراتي وسمعتُ إحداهن تقول لي وأنا ملقاة على الأرض:

ـ هذه المجوهرات ملك أخينا… أي ملكنا… إسمعي… مِن الأفضل أن تغادري إلى أهلكِ لأنّنا سنعود… سنراقبكِ… وسنفاجئكِ… ولقد أُعذِرَ مَن أنذَرَ!”

وعندما استطعتُ النهوض، إتصلتُ بفاضل في مكان عمله حيث لا يستطيع تجاهل اتصالي، وأخبَرتُه بالذي حصل ولكنّه لم يقف إلى جانبي بل اكتفى بالقول:” أنتِ أردتِ ما يحصل.”

حينها أدركتُ أنّه لم يعد لدَيّ أحد، وأنّ عليّ بالفعل مغادرة البلد.

وأخذتُ إبنتي ورحلتُ إلى أهلي حيث وجدتُ الدّعم والعاطفة التي افتقدتُ إليها مدّة زواجي. وهناك أيضًا إستطعتُ إكمال دراستي وإيجاد عمل شيّق برهنتُ مِن خلاله قدرتي على الإنتاج والإبتكار.

وبقيَت في قلبي حسرة على فاضل وعلى الذي فعَلَه بي. كيف له أن يقبل بأن أُضرَب وأُنهَب هكذا مِن قِبَل أخواته! كنتُ أعلم أنّ زواجه مِن إبنة خالته حصل مِن جراء سوء تفاهم، ولكنّه لم يدَعني أفسّر له ما حصل فلو فعَلَ كان عَلِمَ مدى أذى عائلته وشرّها.

ومرَّت السّنون ولم يسأل أحد عنّي أو عن إبنتي، ولكنّنا تدبّرنا أمرنا وعشنا بألف خير.

لم أستطع فتح قلبي لأحد، لا لأنّني كنتُ لا أزال أحبّ فاضل بل لكثرة خوفي مِن أن يؤذيني رجل مِن جديد. وصبَيتُ اهتمامي كلّه على إبنتي وعملي. وبعد حوالي العشر سنين على تركي البلد تلقّيتُ مكالمة مِن فاصل:

ـ سامحيني… لقد علِمتُ بكلّ ما حصل حقيقة…

ـ مَن المتكلّم؟ آسفة ولكنّني لا أعرفكَ سيّدي.

ـ هناء… أطلب السماح منكِ… لقد قالوا لي إنّكِ دفَعتِني إلى الزواج لأنّ لدَيك عشيقًا. فعندما علِمتُ بمسألة الضرب إعتبرتُ أنّكِ تستحقّين ذلك.

ـ لَم تسألني يومًا عن سبب دفعكَ إلى سماع كلام أمّكَ… لم تؤمِن بحبّي لكَ… لم تحاول معرفة حقيقة ذلك العشيق… أهكذا يكون الحبّ يا أستاذ؟

ـ لَم أتصوّر أمّي أو أخواتي بهذا الكمّ مِن الشر…

ـ صحيح… ولكنّكَ تصوّرتَني أنا بهذا الكم.

ـ إنّها امّي… وهنّ أخواتي…

ـ وأنظر إلى ما فعَلَته! أحيانًا يكون الغرباء أفضل مِن أقرب الناس إليك.

ـ هل تسامحينني؟

ـ حتى لو سامحتُك فلن تسامحك إبنتكَ… لم تسأل عنها ولو مرّة واحدة.

ـ كنتُ منهمكًا بكرهكِ… هل لي أن أراكما؟

ـ لا… حياتنا مِن دونكَ أفضل.”

وأقفلتُ الخط. وفي تلك اللحظة بالذات أدركتُ أنّني أصبحتُ جاهزة لأحبّ مِن جديد.