لم يكن حبيبي مستعدًّا لأن يخسر ثروتي

أن يحمل المرء جنسيّتَين قد يكون مفيدًا لأمور حياتيّة أو مهنيّة، ولكن بما يخصّني أنقذَت هذه الإزدواجيّة حياتي، أو على الأقل جنّبَتني الوقوع ضحيّة مكيدة هدفها تجريدي مِن مالي.

أنا أنحدر مِن عائلة متوسّطة الحال، ولكنّ أبي استطاع بمجهوده الخاص أن يصل إلى امتلاك شركات تجاريّة عدّة، إلى جانب أراض في أجمل بقع البلاد. وعندما تزوّج مِن إمرأة إنجليزيّة، إمتدَّت أعماله إلى خارج الحدود. وجئتُ إلى الدّنيا وبدأتُ أتكلّم لغتي أمّ وأبي بطلاقة وحملتُ في قلبي حبًّا لكلا البلدَين على السواء. ورثتُ حبّ الأعمال مِن أبي وبساطتي وعيوني الزرقاء مِن أمّي، وسرعان ما أصبحتُ أدير إحدى شركاتنا التي كانت تعنى بالإستيراد والتصدير. ولكثرة عملي، لم أجد الوقت الكافي لحياة عاطفيّة طبيعيّة، وكنتُ لا أزال عزباء رغم بلوغي الخامسة والثلاثين. إلّا أنّ الأمر لم يكن يُزعجني، بل وجدتُ أنّ العزوبيّة كانت تناسب نمط حياتي، إذ كيف كنتُ سأوفّق بين اجتماعاتي وسفراتي وعائلتي لو تزوّجت؟

ولكن سرعان ما بدأتُ أغيّر رأيي عندما التقَيتُ بخليل، رجل مِن بلد أبي. كنتُ آنذاك في إنجلترا أبرم عقدًا مهمًّا، وشعرتُ بالحاجة إلى الترفيه، فاتصلتُ بأصدقاء لي واجتمعنا حول مائدة مطعم فخم. وأثناء تناول العشاء، وجدتُ في طبقي شعرة كانت قد سقطَت مِن أحد الطبّاخين، فنادَيتُ مدير المطعم للتعبير عن استيائي من أن يحصل ذلك في مكان بهذه الشهرة. وجاء خليل وقدّمَ اعتذاره الحار، واستبدل طبقي بآخر ولكنّي كنتُ قد شعرتُ بالاشمئزاز ورفضتُ متابعة الأكل. وأخَذَ خليل رقم هاتفي كي يتصل بي المسؤول عن قسم خدمة الزبائن. ولكنّه اتصل بي بنفسه في اليوم التالي معبّرًا عن أسفه من الذي جرى.

وعرضَ عليّ المجيء مجدّدًا وتناول وجبة مجانيّة. وقبِلتُ الدّعوة لا لأنّني أرَدتُ الأكل على حساب المطعم بل لأنّ خليل كان قد أثارَ إعجابي، الأمر الذي كان يحصل نادرًا.

وهكذا بدأت قصّة حبّنا ووجدتُ أنّ للغرام طعم لذيذ. وعدتُ إلى البلد وبقيتُ على أتصال مع حبيبي وشعرتُ بشوق كبير تجاهه. وعندما طلبَ منّي أن نعطي لعلاقتنا صفة رسميّة ركضتُ أخبر أبويّ بالأمر. وفرِح أبواي أنّ ابنتهما وجَدَت الحب أخيرًا ولكنّهم لم يُوافقا على خليل بسبب عمله ومستواه العلمي والإجتماعي.

رضخَ أبي للأمر الواقع بعد أن ذكّرتُه بماضيه، ولكنّ أمّي بقيَت على موقفها بما يخصّ الفوارق الإجتماعيّة. ولتقتنع، طلبتُ مِن خليل المجيء مِن لندن ليُثبت للكلّ أنّه بالفعل إنسان مميّز.

وجاء حبيبي، وتعرّفَ إلى العائلة ونال موافقة الجميع إلاّ والدتي التي قالت لي:

ـ إنّه يسعى وراء مالكِ… الأمر فاضح.

ـ ولكن مامْ… كيف لكِ أن تعلمي ذلك؟ لم تريه سوى ساعة واحدة!

ـ أنا أمّكِ وعلى خلافكِ أستطيع التمييز… أنتِ لم تحبّي مِن قبل فليس لديكِ خبرة في الغرام ولا في الرجال… حبيبتي…أنتِ جميلة ومثقّفة وثريّة.

ـ أتعَنين أنّ الرجال لن يُحبّوني لشخصي؟ هل أنا بغيضة لهذه الدرجة؟

ـ لا… بالعكس… تملكين كلّ ما يتمنّاه أيّ رجل… ولكنّ خليل ليس مِن مستواكِ.

ـ ظننتُ أنّ الأجانب أكثر مرونة مِن العرب في ما يخصّ الطبقات الإجتماعيّة…. أبي قبِلَ بخليل.

ـ أبوكِ منهمك بِشركاته أمّا أنا فوقتي كلّه لكِ… أعرفكِ أكثر مّما تعرفين نفسكِ وأعرف كيف هم الناس…

ـ لا أريد الزواج مِن خليل مِن دون موافقتكِ يا مامْ… ما العمل؟

ـ إسمعي… قولي لخليل إنّكِ لن تتزوّجي منه بسببي وسنرى ما سيفعله… إن كان يُحبّكِ سيُحاول إقناعكِ بالمضيّ في الزواج ومِن ثمّ سينسحب ولكنّه سيبقى يُحبّكِ عن بُعد.

ـ وإن كان لا يُحبّني؟

ـ سترَين بنفسكِ… لا أظنّ أنّه سيدع حسابكِ المصرفيّ يذهب منه بسهولة.”

ومع أنّني لم أقتنع بفكرة أمّي، فقد قرّرتُ تنفيذها فقط لأثبتَ لها أنّها مخطئة وأنّ خليل سيظلّ يُحبّني حتى آخر أيّامه.

وفسختُ علاقتي معه بالرغم مِن محاولاته العديدة لاقناعي بالزواج منه، ووعده لي أن يبقى على حبيّ إلى الأبد. وقرّرتُ أن أنتظر بضعة أشهر كما نصحَتني أمّي أن أفعل قبل أن أعود إليه وأتزوّجه. ولكنّني لم أستطع الإنتظار، وتحجّجتُ بمشكلة في شركتنا في لندن لأطير إلى هناك وأرى حبيبي حتى ولو عن بعد.

ومررتُ قرب المطعم الذي يعمل به خليل، ولكنّه رآني مِن خلف الزجاج وركض نحوي كالمجنون:

ـ حبيبتي! أرى أنّكِ غيّرتِ رأيكِ!

ـ لا… كنتُ مارّة مِن هنا فقط.

ـ أحبّكِ… لا أستطيع العيش مِن دونكِ…بما أنّكِ هنا تعالي نتزوّج وتبًّا لأمّكِ!

ماذا؟ كيف تتكلّم عن والدتي هكذا؟ لم أسمعكَ يومًا تستعمل هذه التعابير!

ـ سئمتُ منها! تقف بيني وبين…

ـ بين ماذا؟

ـ وبينكِ حبيبتي… أنا آسف… سامحيني… هل ستمكثين هنا كثيرًا؟

ـ لا… أقلّ مِن أسبوع… أخذتُ غرفة في فندقي المعتاد… سأحلّ بضعة أمور في الشركة وأعود… الوداع!”

ورحلتُ غاضبة مِن خليل إلى أبعد حد. ولكن الذي حصل بعد يومَين من لقائي به أكّدَ لي أنّ أمّي كانت على حق بما يخصّه. كنتُ خارجة مِن الفندق حين حاوطَني أربعة رجال وقادوني إلى شارع ضيّق وخالٍ مِن الناس. بعد وهلة المفاجأة، حاولتُ الإفلات منهم ولكنّني لم أستطع طبعًا وخفتُ كثيرًا على حياتي. ولكنّني ورغم دقّات قلبي المتسارعة ونفَسي المقطوع، حاولتُ التفاوض معهم لأعرف على الأقل ما الذي يُريدونه منّي. وسألتهم بالإنجليزية لماذا أخذوني بهذه الطريقة إلى هذا المكان البشع. واستغربوا جدًّا حين وجهتُ الكلام إليهم وقال احدهم للآخرين:

ـ إنّها تتكلّم لغّتنا!”

وقال الثاني:

ـ إنّها شقراء وعيناها زرقاوان!

أجبتُ بعدما استوعبتُ أنّ الأمر قد يُنقذ حياتي:

ـ وما الغريب في ذلك فأنا إنجليزيّة.

ـ ألستِ عربيّة؟

ـ لا… بل إسمي مارغريت ت.”

سكتوا جميعًا ثم قال رئيسهم:

ـ لقد غشّنا الرّجل.”

وأخرَجَ مِن جيبه هاتفه وأراني صورة خليل وسألَني إن كنتُ أعرفه. وفهمتُ الموضوع برمّته فقلتُ:

ـ أجل… إنّه مِن أصل عربي… تعرّفتُ اليه وأراد الزواج منّي ولكنّني رفضتُه… هو الذي أرسلكم أليس كذلك؟

ـ أجل… ولكنّنا لن نؤذي إبنة بلدنا خاصّة مِن أجل غريب… نحن آسفون… يُمكنكِ الرّحيل.”

وبعد أن أدركتُ أنّهم لن يؤذوني، قرّرتُ تلقين خليل درسًا لن ينساه، وحمله على عدم محاولة إعادة الكرّة. لذا قلتُ للخاطفين:

ـ وهل ستقبلون أن يتلاعب بكم هكذا؟ لقد عرّضتم أنفسكم للخطر بسبب كذبة! خاطرتم سدىً، وعقوبة الخطف هي السجن لسنين طويلة.

ـ أنتِ على حق.”

واتصل الرجل بخليل وقال له إنّني بحوزتهم وطلبَ منه المجيء ليتعرّف إليّ ويأخذني. وحين وصَلَ خليل والبسمة على وجهه، تفاجأ بي واقفة إلى جانبهم بدون قيود أو حتى غطاء على عينيّ. وقبل أن يستوعب ما يحصل… بدأ الرجال بضربه. وبعدما أنتهوا منه، سألوني إن كنتُ أريد شيئًا منهم قبل أن يرحلوا فأجبتُهم:

ـ أجل… أمسكوه… أريد ركله ليعلم أنّ عليه الإبتعاد عنّي إلى الأبد.”

وركلتُه بكامل قوّتي وصرختُ فيه:

ـ كنتَ تريد خطفي وطلب فدية… هل كنتَ ستقتلني أيضًا أيّها السافل؟ أنصحكَ بأن تختفي عن وجه الأرض وإلاّ…”

وتركناه ملقىً على الأرض. وأسرعتُ بالعودة إلى البلد وإلى أحضان أمّي. وبعد أن أخبرتُ أهلي بالذي حصل لي وارتحتُ قليلًا، ذهبتُ مع أبي إلى قسم الشرطة حيث التقَينا بصديق له وسردتُ له كامل الأحداث. ووُضِعَ إسم خليل على قائمة المحظورين من دخول البلد فارتاح قلبي.

عشتُ فترة صعبة جدًّا مكثتُ خلالها في البيت بعد أن صرتُ أرى الأذى في كلّ مكان أذهب اليه أو شخص ألتقيه، ولكن مع الوقت وضعتُ محاولة خطفي ورائي وأكملتُ حياتي. لم أتزوّج بعد ولكنّني أعلم أنّني أصبحتُ جاهزة للوثوق برجل صادق وتأسيس عائلة معه.