افهمي الرجل من خلال طريقته في الإغواء

هل الإغواء يعني أن من يمارسه يحبّ الآخر، أما يحب نفسه من خلال الآخر.

«أقسم لكِ: إنه شاب مثالي، خالٍ من أي عيب!»، تقول إحداهن لصديقتها. ثم تندفع بكل الحماسة والاقتناع في تعداد مواهب هذا الرجل المثالي: «نظرة مغناطيسية آسرة، وجه مشعّ، جسد ممشوق، و….ابتسامة دافئة. شعره الغزير يحاكي حقل قمح ذهبي، مشيته المتمايلة تدوّخ المعجبات. يرتدي ثياباً أنيقة. لديه كل المواصفات المطلوبة، ولكنه مع ذلك…».

هنا تقاطعها صديقتها بقلق: «لا تخبريني أنه شاذ!».

كلا! مطلقاً!.. أردت فقط أن أقول بأنه، للأسف، يتحدث بنبرة عالية، ولا ينظر إلى محدثته، بل ينشغل طوال الوقت في تفقّد هندامه!.

إنها حركة دفاعية تنم عن شخصية قلقة. فهذا الرجل، الذي يبدو حبيباً مثالياً في نظر تلك المرأة، إنما هو في الواقع شخص يقوم بالإغواء بشكل غير مباشر، فهو غير متصالح مع نفسه ولا مع الطرف الآخر. فنظرته الآسرة لا تأسر إلا النساء اللواتي لا يعرفنه، كما أنها تعكس النور ولا تشعُّ نوراً من تلقاء ذاتها. أما أسنانه المنتظمة، مثل جنود صغار في صفوف متراصة، فقد حصل عليها بعد معاناة طويلة مع آلة تقويم الأسنان. مثل هذا «الرجل المثالي» يُصنع عادة في معهد مختصّ بتغيير المظهر (relooking)، وتأثيره الصاعق يجعل العيون تلمع في البداية لكن ابتسامة الإعجاب به لا تلبث أن تتلاشى.

المسألة الأساسية في هذا الموضوع هي ضرورة التمييز بين من يريدون إثارة إعجاب الآخرين بهم وبين من يسعون إلى إغواء الآخرين. فالشخص (رجلاً أو امرأة) الذي يسعى إلى اكتساب إعجاب الآخرين ليس بالضرورة شخصاً مغوياً. فهو يستخدم الطرف الآخر مرآة يريد الاطمئنان من خلالها إلى درجة جاذبيته، من دون أن ينتقل إلى الفعل. إنه نموذج الإغواء غير المباشر الذي يركّز اهتمامه على ذاته، مقابل الإغواء المباشر الذي يركز اهتمامه على الآخر ويسعى إلى استمالته.

الحقيقة أن الرجل يفضّل أن يغوي. والواقع أن الزهو والكبرياء والادعاء لدى الرجل ليست من الصفات المحببة إلى قلب المرأة. إلا أن افتخار الرجل المفرط بنفسه ليس أسطورة غير حقيقية. ففي الجنوب الغربي من أوروبا يعيش عصفور صغير، أسود الريش أبيض الذيل، لا يتجاوز وزنه الأربعين غراماً. مع ذلك ينقل هذا الطائر الصغير، خلال موسم التزاوج، ما يصل إلى عشرة كيلوغرامات من الحجارة، ليبني عشّاً يجذب به اهتمام عصفورة يريد إغواءها. وقد استرعى هذا النموذج انتباه بعض علماء النفس الأميركيين، ليضعوا اختباراً يدعى The Mach Scale))، لقياس درجة تلاعب الأشخاص بعواطف بعضهم البعض، وقد تبيّن لهؤلاء العلماء أن الرجال أكثر خداعاً ومكراً من النساء، خلافاً للاعتقاد الشعبي السائد.