كانت تعطي منوّمًا لزوجها!

لم يكن هناك مِن شيء يدلّ على أنّ كريمة كانت متزوّجة. فحين التقيتُ بها لأوّل مرّة في السوبرماركت، كانت تحمل سلّة صغيرة وبداخلها بعض الحاجات بالكاد تكفي لشخص واحد. كانت كريمة أنيقة وجميلة وكلّ شيء فيها يوحي بالجاذبيّة، وأنا كنت آنذاك شابًّا مفعمًا بالحياة أبحث عن المغامرات بدون أي نيّة للإرتباط. وحين وصلَت الصندوق، كنتُ واقفًا وراءها أراقب حركاتها الرقيقة وأستمع إلى صوتها العذب وهي تتكلّم مع الموظّفة.

وخرجتُ ركضًا مِن السوبرماركت لألحق بها، واستوقفها قبل أن تصعد في سيّارتها قائلاً:

ـ مهلاً آنستي! لقد أخذتِ شيئًا ليس لكِ!

ـ وما هو؟

ـ قلبي”.

وضحِكَت كريمة ونظَرَت إليّ بتمعّن. ولا بّد أنّها رأت ثيابي الأنيقة وساعتي الثمينة، وكي تتأكّد مِن أحوالي الماديّة قالت:

ـ ربمّا بقيَ في سيّارتكَ… لنذهب إليها ونفتّش عنه هناك”.

وبالطبع لم أرَ أبعاد ما كان يحصل، فمشينا حتى مركبتي التي أعجَبَتها حتمًا لأنّها قالت:

ـ أنتَ لطيف للغاية… زوجتكَ امرأة محظوظة جدًّا.

ـ لستُ متزوّجاً… أنا أعزب… مثلكِ تمامًا! وما مِن شيء يمنعنا مِن التعرّف إلى بعضنا أكثر.”

وافقَتني الرأي، وأعطَتني رقم هاتفها وابتعدت مبتسمة. واتصلتُ بها مرّة وعشرات مرّات، ولم أشعر أنّها تختبئ للتكلّم معي. وحين سألتُها مع مَن كانت تسكن أجابَتني:” لوحدي”. وخرجنا سويًّا، وقبّلتُها ولكنّني لم أجرؤ على التمادي أكثر مِن ذلك خوفًا مِن أن أخسَرَها. وبعد حوالي الأسبوعَين، دعَتني كريمة إلى العشاء في بيتها، ووعَدَتني أن تحضّر لي طبقي المفضّل: الكانِيلوني، الأكلة الإيطاليّة اللذيذة.

وفي المساء المذكور، أخذتُ معي باقة ورد عملاقة ودقّيتُ بابها. فتحَت لي مبتسمة ودعَتني إلى الدخول، ورأيتُ مائدة مهولة مخصّصة لي وفرحتُ عندما شممتُ رائحة طبقي المفضّل. كنتُ سعيدًا لأنّني وجدتُ المرأة المثاليّة: جميلة وجذّابة وطريفة وطاهية ماهرة!

وأذكر أنّني في تلك اللحظة فكرّتُ حتى أنّها ستصلح أيضًا كزوجة.

وبعد أن أكَلنا وهنّأتُها على مهارتها بالطهو، جلسنا في الصالون على صوت موسيقى ناعمة وقبّلنا بعضنا. ومِن ثم أخَذَتني بيدي حتى غرفة النوم حيث مارسنا الحب بشغف.

ولكن بعد بضعة ساعات، وحين كنّا قد غرقنا في النوم، إستيقَظتُ على صوت غريب. قمتُ مِن السرير ومشيتُ في أنحاء المنزل لأرى مِن أين أتى ذلك الصوت. وإذ بي أفتح باب غرفة ثانية وأكتشف رجلًا نائمًا يشخر بصوت عال. ركضتُ إلى كريمة وأيقظتُها بسرعة هامسًا:

ـ كريمة! كريمة! هناك رجل نائم في بيتكِ!

ـ أجل… أعلم ذلك… لا توقظه مِن فضلكَ.

ـ مَن هو؟ ماذا يفعل هنا؟”

حينها جلسَت كريمة على السّرير وقالت لي بكلّ بساطة:

ـ إنّه زوجي.

ـ ماذا؟؟ يا إلهي! سيأتي ويرانا هكذا! لِما لم تقولي لي إنّكِ متزوّجة؟؟؟

ـ لن يأتي… لقد أعطَيتُه منّومًا.”

ونظرتُ إليها محاولاً إستيعاب ما قالَته. كان الأمر وكأنّه حلم مزعج، وخلتُ فعلًا أنّني سأستيقظ منه وأجد نفسي نائمًا في سريري. ولكنّ الأمر كان حقيقيًّا، وسكتُّ أمام فظاعة الأمر. حينها تابَعت كريمة:

ـ تزوّجتُ عندما كنتُ في السادسة عشرة ولم أكن أحبّ ذلك الرجل… خلتُ أنّني سأعتاد عليه مع الوقت ولكنّه إنسان أنانيّ وبخيل… في كلّ شيء… يُعاشرني حين يشاء وبدون أن يُفكّر في حاجاتي ويبخل عليّ بالمال… صبرتُ سنين حتى تعرّفتُ إلى شاب وسيم ومحبّ وكريم… أقمتُ علاقة معه ولكن كان مِن المستحيل أن أراه متى أشاء فابتكرتُ فكرة المنوّم… صرت كلّ مساء أعطي زوجي حبّة وأقول له إنّها مفيدة لألم معدته.

ـ وما حصل لذلك الشاب؟

ـ لقد مات… المسكين… بقيتُ أبكيه حتى تعرّفتُ إليكَ… إسمع… لستُ إنسانة سيئّة… أريد فقط مَن يرعاني… مَن يتصرّف معي وكأنّه زوجي… حتى أستطيع الإفلات مِن سجني.

ـ وما الذي يمنعكِ مِن الرّحيل؟

ـ سأخبركَ يومًا… إرحل الآن… إذهب وفكّر بما أخبرتكَ… أتمنّى أن تتصل بي غدًا… وإن لم تفعل سأفهم أنّكَ لستَ رجل حياتي.”

خرجتُ وفي قلبي حزن عميق. لم أكن أدري ما أفعل بعد أن علمتُ أنّ حبيبتي متزوّجة وأنّها تدسّ المنوّم لزوجها. كنتُ قد تعلّقتُ بها وأثّرَت بي قصّتها. لذا قرّرتُ في الصباح الإتصال بها وإخبارها بأنّني أريدها بكلّ جوارحي وأنّني سأهتمّ بها كما يجب وأنّ لا شيء سينقصها.

وبعد فترة قصيرة، إستطعتُ التغلّب على مبادئي ومخاوفي بما يتعلّق بمعاشرة امرأة متزوّجة تُغرِق زوجها في النوم وتمارس الجنس مع عشيقها في الغرفة المجاورة. وأنا نفسي إستغربتُ كيف بدأتُ أرى الأمر وكأنّه طبيعيّ. صحيحٌ أنّني كنتُ شابًا مستهترًا، ولكن ليس إلى تلك الدرجة. ولكن كريمة كانت إمرأة قويّة تعرف كيف تقنع أيّاً كان بفضل جمالها ودلالها.

وكما علمتُ لاحقًا بفضل خبرتها العميقة. وبالطبع إستفادَت كريمة منّي وكثيرًا، فكنتُ أشتري لها كلّ ما أرادَته إلى جانب مبلغ كبير أخصّصه لها شهريًّا يكفيها ويكفي عائلة بكاملها. وأستمرّ الوضع هكذا أشهراً طويلة، وكنتُ سعيدًا إلى درجة أنّني ولِكثرة إفتتاني بعشيقتي فكّرتُ بأخذها بعيدًا وربما التزوّج منها.

وعَرَضتُ الأمر عليها، ولكنّها رفضَت بدون أن تعطيني السبب وأُقفِلَ الموضوع. ولكنّني لم أفهم إصرارها على البقاء مع ذلك الرجل البغيض، في حين أنّها كانت تقول لي إنّها سعيدة معي وإنّها تحبّني كثيرًا، خاصة بعدما استطعتُ نزع ذكرى حبيبها الأوّل من قلبها وفكرها. ولم أعد أفكّر بشيء آخر، سوى بأنّني أعيش مع حبيبتي في مكان جميل بدون شبح الزّوج النائم، إلى درجة أنّني أصبحتُ مهووسًا بالموضوع.

وكم كنتُ غبيًّا… هل كان عمري هو السبب أو قلّة خبرتي في المكر أم أنّ غروري أعماني؟ أو بكلّ بساطة أنّ تلك المرأة كانت الشرّ بحدّ ذاته؟

واكتشفتُ حقيقة ما يجري بفضل ألَم في أسناني. ففي ذات ليلة، حين كنتُ عند عشيقتي وبعد أن تأكّدنا مِن غرق زوجها في النوم دخلنا الغرفة وفعلنا ما كنّا نفعله دائمًا ومِن ثمّ نمنا بدورنا.

ولكنّ ألمًا حادًّا في أسناني أيقظَني ولم أعد قادرًا على النوم. بقيتُ في السرير صامتًا كي لا أزعج كريمة، وأغمضتُ عينَيّ آملًا أن أعود إلى النوم. وإذ بي أسمع باب الغرفة يُفتح على مهل وأرى رأس الزوج ممدودًا ينظر إلينا ونحن في السّرير. للحظة ظننتُ أنّه قادم لقتلنا، فبدأ قلبي يدقّ بسرعة فائقة ولم أعد أعلم إن كان عليّ الإستمرار بالتظاهر بالنوم أم النهوض للدّفاع عن حبيبتي وعن نفسي.

ولكنّ الزوج أغلق باب الغرفة على مهله وعادَ إلى سريره. وبقيتُ ألهث لدقائق طويلة قبل أن أبدأ بتحليل ما حصل. هل يعقل أن يكون الزوج على علم بعلاقة كريمة بي وساكتًا على ذلك؟ أيّ زوج يفعل ذلك؟ وقلتُ لنفسي إنّ كريمة محقّة أن تكره إنسانًا بهذا الكم مِن الإنحلال الأخلاقي وقرّرتُ أن أواجه ذلك المنحط.

لم أفكّر بأنّ تصرّفي غير منطقيّ وأنّني موجود في بيته وفي سرير زوجته وأنّه يستطيع قتلي بكلّ سهولة أو على الأقل ضربي أو شتمي وطردي وأنّني أورّط كريمة معي. كلّ ما أردتُه هو أن يعرف أنّني كشفتُ أمره وأنّه سافل وأنّني سآخذ كريمة بعيدًا عنه. فخرجتُ مِن السرير وارتديتُ ملابسي ودخلتُ غرفة الرجل الذي كان قد عاد إلى النوم.

أمسكتُه بكتفَيه وهزّيته بعنف طالبًا منه أن يستفيق لأنّني أريد مواجهته. وإذ به يُنادي كريمة بأعلى صوته. وعندما دخلَت الغرفة قال لها:

ـ ما به عشيقكِ؟ مِن أين أتيتِ به؟

ـ مِن السوبرماركت! لم يجدر بي أن أبحث في تلك الأماكن…”

نظرتُ إلى كريمة وكأنّني أرى شيطانًا أمامي، وصرختُ فيها:

ـ ما الأمر؟ لا أفهم شيئًا! هل زوجكِ وأنتِ…”

عندها أجابَني الزوج:

ـ يحقّ لكَ أن تعلم الحقيقة قبل أن تغادر بيتي ولا تعود إليه… كريمة لا تعطيني أيّ منوّم بل أذهب إلى النوم وحدي، بينما هي… لا بل نحن بحاجة إلى المال… والكثير منه… وهناك أغبياء كثر مثل أفضالك… إنّنا نحبّ بعضنا كثيرًا ولكن نحبّ الرفاهية أكثر… هيّا أخرج الآن!”

بقيَت كريمة صامتة إلى أن أضافَت:

ـ أجل أخرج… ولا تفتعل المشاكل… فأنتَ في بيتنا ونستطيع قول إنّكَ جئتَ لسرقتنا أو لإغتصابي… هيّا! ولا تحاول الإتصال بي بأيّ شكل من الأشكال… لقد استمتعتَ معي فلستَ بخاسر.”

وخرجتُ خائفاً وذليلاً، ومشيتُ في الطريق حتى الصباح. بالطبع لم أعاود الإتصال بكريمة، ليس خوفًا منها ومِن زوجها ولكن لكثرة اشمئزازي. لقد مضى على هذه القصّة خمس سنوات، ولم أستطع حتى الآن الخروج مع فتاة أخرى. هل سأتغلّب يومًا على تلك التجربة البشعة؟ لست أدري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.