عنّفَتني زوجتي الثانية

أعلم ما ستقولونه عنّي:” يستحقّ ما حصل له”… وستكونون على حق. لكنّني آنذاك لم أرَ سوى الوحدة التي كانت تأكلني شيئًا فشيئًا وترسم لي نهاية مخيفة. فبعد أن تزوّج ولَداي وتوفَّيت زوجتي الحبيبة، عشتُ بمفردي في منزل كبير عليّ. كنتُ أتلقّى زيارات خاطفة مِن ولَدَيّ وأحفادي، ولكن فور رحيلهم كنتُ أعود إلى صمت المكان وذكريات صوت المرحومة وضحكاتها.

وبعد سنوات طويلة على هذا النحو، أقنعتَني جارتي بالزواج مجدّداً. أقول” أقنعَتني” لأنّني لم أكن أريد خوض ما أسميتُه “معركة الزواج”، فكنتُ قد بلغتُ السابعة والستين من عمري ولم أعد أتحمّل فترة التعارف والغزل والمناكفات اليوميّة التي يُواجهها الزوجان.

ولكن عندما رأيتُ ميرفتَ، نسيتُ مخاوفي وتحفظّاتي. كانت جميلة جّداً وتصغرني بأكثر من ثلاثين سنة. ولم أجد فارق العمر هذا كبيراً مع أنّني لطالما ردّدتُ أنّ على الناس معاشرة أولاد جيلهم كي يكون هناك ما يجمعهم.

ولم أسأل نفسي السؤال البديهيّ وهو لماذا تريد إمرأة جميلة وشابة الإرتباط برجل مثلي؟ ولو فكرّتُ بالأمر مليًا لأدركتُ طبعاً أنّها تسعى وراء المال الذي جنَيتُه طوال عمري والذي مكّنَني من العيش برخاء. فإلى جانب مدّخراتي، كنتُ لا أزال أملك محلًّا كبيرًا أديره بنفسي كي لا أشعر أنّني أمسيتُ عجوزًا.

وأُخِذتُ كلّياً بِميرفَت وبما تمثّله من صحّة وشباب، ونسيتُ حتى زوجتي التي شاركَتني المّر والحلو طوال سنين. وعندما أطلعتُ ولَدَيّ على مشروعي، لاقيتُ تجاوباً فاترًا من جانبهما فسّرتُه طبعاً بأنّه حزن على أخذ امرأة أخرى مكان أمّهما. ولكنّهما لم يقفا بوجهي، ربّما لأنّهما كانا منهمكَين بحياتهما أو لأنّهما كانا يعرفان أنّني لست من النوع الذي يتأثّر برأي غيري، على الأقل قبل أن تدخل ميرفَت حياتي.

فقد كانت تلك المرأة قويّة الشخصّية والإرادة، الأمر الذي أعَجبَني بها بعدما قضيتُ عمري مع إنسانة هادئة لا قرار لها، تكتفي بتنفيذ ما أمليه عليها. فالمرحومة زوجتي لم تكن ترى في الزواج سوى وسيلة لبلوغ الأمومة، وسرعان ما نسيَت أنّها امرأة أوّلًا.

واعتدتُ على العيش مِن دون شغف، وركزت إهتمامي على عملي وعائلتي. وبمجيء تلك الشابة، عدتُ أشعر بالرغبة التي كادَت أن تفارق جسدي. وتزوّجتُ ميرفَت، وأقمتُ لها الفرح التي أرادَته أي شبيه بفرح الملوك. أرَدتُها أن تشعر أنّها تزوّجَت مِن رجل حياتها وأنّني قادر على تلبية أمنياتها كلّها… وبدأَت الطلبات، خاصة بما يخصّ الأكل، الأمر الذي لم أتوقّعه أبدًا.

كان الأمر وكأنّ ميرفَت لم تكن تأكل قبل أن تصبح زوجتي. كنتُ أتفرّج عليها وهي جالسة إلى المائدة ولم أكن اصدّق أنّ امرأة يمكنها ابتلاع هذا القدر مِن الطعام. وزاد وزن زوجتي بشكل ملحوظ بل مخيف، ولكنّني لم أنزعج مِن ذلك طالما كانت تلاطفني وتعتني بي.

لأنّ ميرفَت كانت تعرف كيف تُسعد الرّجل ولم أسأل نفسي كيف ومِن أين تعلّمَت تلك الأساليب المثيرة وهي لم تتزوّج مِن قبل. ولكنّ الأمر كان بالنسبة إليّ ثانويًّا. وتابعتُ حياتي ظانًّا أنّ الوضع سيستمر إلى الأبد.

ولكن سرعان ما بدأَت ميرفَت بإهمالي جنسيًّا، وبالتركيز أكثر فأكثر على الطعام والمال. وفي ذات يوم قالَت لي:

ـ المال الذي تعطيني إيّاه لم يعد يكفيني.

ـ أعطيكِ مبلغًا كبيرًا يا حبيبتي… إلى جانب ذلك أهتمّ بمصروف المنزل كلّه.

ـ أريد أن آكل أيّها البخيل!

ـ أنا بخيل؟ انتِ التي تبخلين عليّ بعواطفكِ… لم تدعيني أقترب منكِ منذ فترة طويلة… ما الأمر يا حبيبتي؟ الم تعودي تحبّيني؟

ـ بلى ولكن… لا أحبّ الرجل البخيل! أريد مبلغًا مخصّصًا لأكلي وآخرًا لمصروفي الخاص!

ـ الأكل موجود في البيت… إفتحي الثلاجة وستجدينها مليئة بالأكل.

ـ قلتُ لكَ إنّني أريد مالًا لأكلي! ما بكَ لا تفهم؟!؟”

وقبلتُ أن أعطيها المزيد كي لا تقول عنّي إنّني أحرمها مِن الطعام، فلطالما كنتُ رجلًا كريمًا لا يسأل عن شيء.

وتدهورَت علاقة ولَدَيّ بزوجتي، فمِن فاترة تحوّلَت إلى باردة جدًّا، وفضّلا عدم زيارتي كي لا يتحملّا تلميحاتها البشعة أو حتى رؤية والدهم يُذلّ امامهما. والجدير بالذكر أنّني كنتُ أواجه الملاحظات المؤذّية مِن جانب ميرفَت بِصمت، وأفضّل عدم الردّ عليها خوفًا مِن أن تتركني بعد أن اعتدتُ على وجود امرأة في البيت، خاصة أنّها كانت تعلم كيف تنسيني تجاوزاتها في المساء.

ومِن ثم بدأت زوجتي بالخروج من البيت، وكثيرًا أثناء تواجدي في عملي. وحين كنتُ أسألها عمّا فعَلَته خلال النهار، كانت تجيبني بطريقة مبهمة أو تصرخ بأنّ ذلك ليس مِن شأني. وبقيَ وزنها يزيد حتى أصبحَت تجد صعوبة في صعود السلالم أو حتى الجلوس على كرسيّ عاديّ خوفًا مِن أن ينكسر بها.

لم تزعجني سمنتها، بل خفتُ على صحتّها، وحين لفتُّ انتباهها إلى وجوب إتباع حمية، صَرَخَت بي كالمجنونة وبدأت تشتمني. أقسم أنّني كنتُ على وشك صَفعِها، ولكنّني لم أفعل لأنّني لم أكن مِن الذين يُعنّفون النساء مهما كان السبب. وكنتُ بعيداً كلّ البعد عن تصوّر الذي حدثَ لي لاحقًّا لكثرة فظاعته. ولولا يقيني من أنّ إسمي الحقيقيّ لن يظهر في هذه القصّة لما تجرّأت على إخبارها.

لقد كان لميرفَت عشيق. هل كانت تعرفه قبل أن نتزوّج أم أنّها وجَدَته بعد ذلك، لا أملك الجواب. وكانت تتقاسم معه مالي الذي لم يعد يكفيهما لكثرة مصاريفهما. لذا بقيَت زوجتي تطالب بالمزيد إلى أن رفَضتُ أخيرًا. فإلى جانب مزاجها البشع وشكلها المخيف، كانت قد انتقَلَت إلى غرفة أخرى حتى تهرب مِن القيام بواجباتها الزوّجية. ولم أعد مستعدًّا لتلبية طلبات إنسانة مستهترة ووقحة بهذا القدر.

وفي ذات مساء، وبعد أن كرّرَت ميرفَت طلبها لمزيد مِن المال وأيقنت أنّها لن تنال شيئًا منّي، أخَذَت وعاءً كبيرًا ورمَته على رأسي. وقعتُ أرضًا وغبتُ عن الوعي لبضعة دقائق، وعندما استفقتُ وجدتُها جالسة على كنبة الصالون تنظر إليّ والشرّ يملأ عَينَيها. وقالت لي بينما كنتُ لا أزال على الأرض:

ـ هذه عيّنة مِن الذي ينتظرك كلّما رفضتَ لي طلبًا أيّها العجوز.

ـ سأشتكي عليكِ!

ـ لن تفعل! ستقول للشرطة والناس أنّ امرأة ضرَبَتك؟ يا للعار! رجل في سنّك يُهان بهذه الطريقة؟ سيتكلّمون عنكَ لأجيال عديدة! هات ما عندكَ!”

وسكتُّ لأنّني خفتُ أوّلاً مِن الشماتة مِن جهّة ولدَيّ، وثانيًا مِن باقي الناس، وفضّلتُ أن أتحمّل معاملة ميرفَت وإعطاءها ما تريده.

وأصبحَت زوجتي تعنّفني كلما سنحَت لها الفرصة، تارة بالكلام وتارة أخرى بِضربي بكلّ ما يقَع تحت يديَها، إلى درجة أنّني كنتُ مغطّى بالكدمات. ولم يغب ذلك عن نظر ولدَيّ اللذين كادا أن يفقدا عقلهما بعدما تأكّدا مِن أنّني أُعَنّف في عقر داري. في البدء نكرتُ الأمر وبشدّة، وادّعَيتُ أنّني إمّا وقعتُ وإمّا اصطدمتُ بالأثاث.

ولكن مكان الكدمات لم يكن يُطابق أقوالي. عندها قال إبني البكر:

ـ سترمي تلك الغانية خارجًا وعلى الفور!

ـ ولكن…

ـ لا تجادلنا يا أبي… ولا لزوم لإخفاء ما هو واضح للعيان… لن نسألكَ أيّ سؤال إضافيّ كي لا نحرجكَ… ولكنّا لن نرحل مِن هنا إلاّ بعد أن تخلي تلك الساقطة المكان! أو أنّكَ تفضّل أن نأتي بالشرطة؟

ـ لا! لا! أرجوكما… لا تفضحاني… لن أتحمّل ذلك.”

ونادَيتُ ميرفَت، فجاءَت إلى الصالون بدون أن تدري ما ينتظرها، وإذ بابني يفتح باب المنزل والآخر يدفعها خارجًا صارخًا فيها:

ـ أخرجي يا ناكرة الجميل! أبونا أعظم رجل في العالم ويستحقّ أفضل معاملة! إيّاكِ أن تعودي وإلّا جلبنا لكِ الشرطة وسجنّاكِ! وإن كنتِ لا تصدّقينا فجرّبينا.”

وأقفلا الباب وراءها وهي تصرخ وتهدّد. ولحسن حظّي أنّ ولدَيّ ناما عندي تلك الليلة، لأنّ ميرفَت عادَت في الصباح الباكر برفقة عشيقها لأخذ أمتعتها وربما أذيّتي وسرقتي. ولكنّ الرجل إضطرّ إلى البقاء خارجًا بينما دخلّت هي وملأَت ملابسها في حقيبتَين بدون أن تنسى طبعًا أخذ مجوهراتها. وقبل أن يُغادر العشيقان، قال لهم أحد أبنائي إنّه سيعيش معي بصورة دائمة وإنّه سيكون بالمرصاد. وهذا ما حصل.

أنا اليوم رجل سعيد، أقضي أيّامي ألاعب أحفادي وأراهم يكبرون أمام عينَيّ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.