حرَموني مِن أبوّتي

يُحكى دائمًا عن الأمّ وحسّ الأمومة، ونادرًا ما يتكلّمون عن الأبوّة وكأنّ الرجال مجرّدون مِن الإحساس وهمّهم الوحيد هو اللحاق بالنساء أو بالملذّات الدنيويّة.

كنتُ في السّادسة عشرة مِن عمري، وكنتُ أتصرّف كأيّ شاب آخر، أي أنّ الدنيا لم تكن تسعني ولم يكن لديّ خبرة في البنات أو أمور الحبّ وخاصة الجنس، فآنذاك لم يكن لدَينا إنترنِت والتليفزيون لم يكن يبث أفلامًا أو برامج لِتوعية جيلي.

أمّا بالنسبة لأهلي فقد كانوا متحفّظين جدًّا وغير مستعدّين لشرح الحياة لي. وتعرّفتُ إلى مُنى عند أخيها وأحببتُها مِن أوّل نظرة. كانت في الخامسة عشرة وكانت مثلي تكتشف الدنيا بأعيُن بريئة. ولكن كما نعلم لا يجتمع رجل وامرأة إلاّ والشيطان ثالثهما… فحصلَت المصيبة. مارسنا الحبّ بدون أن ندرك أبعاد الأمر، وكأنّه شيء طبيعيّ وجميل.

وكنتُ واثقًا من أنّني سأقضي باقي حياتي مع حبيبتي ونؤسّس أجمل عائلة سويًّا. لذلك عندما أخبرَتني باكية أنّها اكتشفَت حملها بعد أن أخبرَت أمّها أنّ ميعادها انقطع، أسرعَتُ في طلب يدها.

ولكنّ أمّ مُنى إستقبلتني بغضب شديد وبدأَت تشتمني وتهدّدني:

ـ أيّها المغتصب! لقد دمّرتَ حياة إبنتي!

ـ ولكنّ سيّدتي… نحبّ بعضنا ونريد أن نتزوّج! سأصلح غلطتي فورًا!

ـ أخرج مِن بيتي حالًا! مَن تظنّ نفسكَ؟ انا أزوّج ابنتي الوحيدة لإنسان مثلك؟ أخرج!”

وخرجتُ ذليلاً على صوت بكاء وصراخ حبيبة قلبي. طَرَدَتني أمّها لأنّني مِن عائلة فقيرة تهتمّ بتربية المواشي، بينما هم أناس يعملون وراء المكاتب ويلبسون البذّات الأنيقة.

ومُنِعَت مُنى مِن الخروج، وانتظرتُها ايّامًا وليالٍ طويلة بدون جدوى. حاولتُ التكلّم مع أخيها ولكنّه لم يكن قادرًا على مساعدتي، فبالرغم مِن صداقته لي كانت هناك فوارق طبقيّة بيننا.

وفي هذه الأثناء، خبّأت أمّ مُنى حمل ابنتها عن زوجها، وأرسلَتها بعيدًا عن أعيُن الناس كي لا يروا بطنها وهو يكبر. وحصلتُ مِن أخيها على مكان تواجدها، ولحقتُ بها إلى تلك البلدة الصغيرة حيث تمّ نفيها، واستطعتُ أن أراها رغم الحراسة الشديدة التي أقامها حولها أقاربها الذي آووها. وقلتُ لها:

ـ هيّا، مُنى، تعالي معي!

ـ إلى أين؟

ـ إلى أيّ مكان! سنتزوّج ونسافر بعيدًا ونربّي طفلنا.

ـ لا أستطيع مرافقتكَ… أنا آسفة.

ـ ألاّ تحبّينَني؟

ـ بلى ولكن… أهلي… عائلتي… الناس…

ـ أحبّكِ يا مُنى وأريد أن تصبحي زوجتي، حلالي… أريد أن أرى الطفل الذي صنعناه سويًّا… لا تحطّمي قلبي!

ـ لانزال صغارًا على هكذا مسؤوليّة.

ـ لن أدعَكِ تحملين مسؤوليّة الطفل وحدكِ.

ـ ستساعدني أمّي.

ـ كيف ذلك ولا يعلم أبوكِ بأمر الحمل؟

ـ إرحل يا سامي… إرحل ودَعني أنساك”.

ورحلتُ مكسور الخاطر، وسافرتُ بعد أقلّ مِن شهر إلى أفريقيا عند خالي. ولكنّني لم أقطع صلَتي بأخ مُنى وبقينا نتكاتب ونتهاتف. وحين أصبحَت مُنى على وشك أن تلِد إبننا، أوصيتُ صديقي بإخباري عن صحّتها وصحّة إبني فور قدومه إلى الحياة.

وكم كان حزني عميقاً عندما قال لي إنّ ولدي مات بعد ساعة من مجيئه إلى الدنيا. ورغم سنّي اليافع، شعرتُ وكأنّ جزءاً مِن قلبي قد مات معه…

وانكبَّيتُ على عملي مع خالي في قصّ وبَيع الأخشاب، وتعلّمتُ منه الكثير ولكنّني لم أستطع إيجاد بديلة لمُنى. وبعد ثلاث سنوات، تزوّجَت حبيبتي مِن رجل شبه عجوز يملك أراض شاسعة ومالًا وفيرًا ومِن ثمّ أنجبَت له بنتًا.

عندها قرّرتُ أن أتزوّج بِدوري، وطلبتُ مِن أمّي أن تجد لي عروساً تقبل ألاّ تنجب. لم تفهم والدتي خوفي، ولم أكن مستعدًّا لِشرح الموضوع لها، أوّلًا كي لا أفضح مُنى، وثانيًا لأنّني أرَدتُ أن أبقي ألمي لِنفسي. وبعد بحث طويل، وجدوا لي مَن ستقبل بشرطي وتزوّجتُ مِن عبير، فتاة هادئة وطيبّة.

كانت قبِلَت بي لأنّني أعيش بعيدًا عن البلد، لِتهرب مِن محيطها الضيّق. وبالرّغم مِن محاولاتي لإسعادها، كان مِن الواضح أنّها كانت تفتقد لوجود ولد في حياتها. لِذلك قرّرتُ إعطاءها حرّيتها لتستطيع الإنجاب قبل فوات الأوان. وعدتُ إلى وحدتي، وكنتُ أقضي وقتي أتصوّر كيف كان سيبدو إبني لو لم يمت، وكنتُ أتخيّله يلعب مع رفاقه أو جالسًا على مقاعد الدراسة، وكانت تلك التخيّلات تريحني.

ومرّت سنوات أخرى، وطيلة تلك المدّة لم أقطع تواصلي مع أخ مُنى الذي تزوّج وأسّس عائلة وكبر أولاده.

وفي ذات يوم، تفاجأتُ به واقفًا أمامي حين دقّ بابي. صرختُ له:

ـ أنتَ هنا في أفريقيا؟ لسنين بقيتُ أدعوكَ للمجيء ولم تقبل يومًا! يا للمفاجأة السارة! هيّا أدخل!”

ولكنّني رأيتُ ملامحه المقطبة، وخشيتُ أن يكون قد حصل لمُنى مكروه. ولكنّه طمأنّني وأضاف:

ـ سامي صديقي… أنتَ أخي… جئتُ خصيّصًا إليك لأخبركَ…

ـ تكلّم! ما الأمر؟

ـ أوّلًا أريدكَ أن تفهم ظروفي آنذاك… كنّا شبّان صغاراً… وتعرف كيف هي أمّي.

ـ أجل… أعرف كيف هي تمامًا… ولكن ما دخل أمّكَ؟

ـ أتذكر حين قلتُ لكَ إنّ الجنين… أعني إبنكَ قد مات؟

ـ أجل… وكيف لي أن أنسى؟

ـ سامي… إبنكَ حيّ.

ـ ماذا؟ إسمع… لا تمازحني! لا أتحمّل أن تستخف بِهكذا أمور!

ـ أعني ما أقوله… حتى مُنى لا تعلم أنّه لم يمت… فحين ولِدَ أخَذَته الداية فورًا إلى اناس قبلوا بأخذه… المرأة لم تكن قادرة على الإنجاب… إصطحبوه بعيدًا ولا أعرف حتى اسمهم. أمّا الداية فلقد ماتَت مِنذ سنين.

ـ كيف حجَبتَ هذا الأمر عنّي؟ أنا أعزّ صديق لدَيك! أنا أب الطفل!

ـ جَعَلَتني أّمّي أقسم على المصحف أن أكتم السرّ حتى آخر أيّامها…

ـ ماتَت والدتكَ؟

ـ أجل… مِنذ أسبوع… وها أنا أمامكَ… قل لي… هل كان يجدر بي أن أبقي سرّي معي؟ هل ستسامحني يومًا؟

ـ لست أدري…”

وانتظرتُ حتى غادَرَ صديقي لأبدأ بالبكاء. بكيتُ أيّاماً وليالٍ طويلة على ابني. مِن جهّة، إرتحتُ لأنّه ما زال حيًّاً، ومِن جهّة أخرى تعذّبتُ لأنّني لم أكن أملك أية وسيلة لإيجاده.

واستمرَّت تلك الفترة العصيبة أكثر مِن سنة، وعندما خرجتُ أخيرًا مِن حزني أخذتُ أفتّش عن زوجتي السابقة. كنتُ قد تخلّصتُ أخيرًا مِن عقدة الأولاد ونويتُ أن أعوّض عليها ما مرّت به معي.

سافرتُ إلى بلدنا ووجدتُها تعيش لوحدها في مدينة بعيدة عن أهلها. لكنها كانت محاطة بالأولاد. وخلتُ أنّها تزوّجَت مجدّدًا ولكنّها أخبرَتني أنّها فتحَت حضانة في منزلها لكثرة حبّها للأولاد. روَيتُ لها قصّتي منذ بدايتها، وطلبتُ منها أن تقبل بي مرّة ثانية وأن ننجب ولدًا لنا نحبّه ويُحبّنا.

وبعد تفكير عميق، قبِلَت عبير بي وسافرتُ لوحدي إلى أفريقيا لأنهي أعمالي هناك وأعود لأعيش في بلدي الذي اشتقتُ إليه. ورزقَنا الله ببنت جميلة أعادَت الفرحة إلى قلبي. ولكن كلّما أسير في الطريق مشيًا أو في سيّارتي، أحدّق بالشبّان على أمل أن التقي صدفة بإبني. أعلم أنّه يعيش في مكان آخر، ولكنّني أتخيّل دائمًا أنّ أهله أخبروه عن حقيقة ولادته وأنّه عاد ليُفتش عنّا.

ولكن حتى اليوم لم أجده، وسأظّل أبحث عنه في وجه كلّ شاب أصادفه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.