كنتُ أؤمِن بالشعوذات

ـ ” ما برجه الفلكيّ؟”

إعتدّتُ أن أسأل هذا السؤال عن كلّ عريس يُكلّموني عنه أو تعرّفتُ إليه مباشرة. فمنذ مراهقتي، كان لدَيّ اهتمام كبير وحتى شبه مرضيّ بالأبراج الفلكيّة. عليّ الاشارة إلى أنّني أبصرتُ النور وسط عائلة تؤمِن بِقدرة الخالق على مساعدتنا أو حمايتنا.

فمنذ أن فتحتُ عيناي على الدنيا، رأيتُ مِن حولي القلادات المرصّعة بالحجارة الزرقاء وكل ما يُمكنه إبعاد الحسد أو جلب الحظ.

وكان منزلنا يعجّ دائمًا بِمَن يستضعفون عقول الناس بشعوذاتهم، ويأخذون مالهم بعد أن يعِدوهم بِطرد الأرواح الشريرة عنهم.

وأذكر تمامًا يوم جاء “الدجّال” وِبيده حقيبة أخرجَ منها تماثيل صغيرة ووضَعَها على طاولة الصالون متمتمًا كلمات غير مفهومة.

وبعد أن طلب كوبًّا مِن الماء ومحرمة نظيفة غطّى بها الكوب، أرجَعَ رأسه إلى الوراء وقَلَبَ عينَيه وشعَرَ بما سمّاه “الوجود السلبيّ”.

وخفتُ كثيرًا خاصة أنّني كنتُ لا أزال في الخامسة مِن عمري، ولكنّ أمّي أجبَرَتني على حضور الجلسة لأنّها كانت مخصّصة لي بالذات بسبب إصابتي الدائمة بالمرض.

ولو أخَذَتني إلى الطبيب لقال لها إنّ لوزتّي كانتا بحاجة إلى استئصال لأنّهما كانتا تسبّبان لي الحرارة العالية حين تلتهبان.

وبالطبع لم أشفَ، بل ساءَت حالتي وأخذوني إلى المشفى وخضعتُ لعمليّة. ولكنّ والدتي لم تتأثّر بذلك، بل اقتنعَت بأنّ لولا ذلك الساحر لكنتُ متُّ وأنّه فعّلَ المرَضَ كي ننتبه إليه.

وأصبحَ الدجّال يدخل بيتنا على راحته حتى أن اختفى قبل أن يُفتضحَ أمره. ومع السنين، تحوّل اهتمامي إلى تلك الأمور فما مِن مهرب مِن تأثير التربية… وبدأتُ أؤمن بالفلك والأبراج. واشتريتُ الكتب

وبحثتُ على الإنترنِت، وكنتُ أقرأ برجي كلّ يوم أو أنتظره على المذياع كي أعرف ما ينتظرني خلال يومي. ووجدتُ أيّ برج يُناسبني عاطفيًّا وبنيتُ آمالي على أساسه.

وهذا سبب قبولي بوِليد. صحيح أنّه كان وسيمًا وذكيًّا، ولكنّني رفضتُ أمثاله لأنّهم لم يكونوا مِن مواليد برج الحوت. ولِكثرة ثقتي بأنّه الرجل المناسب، لم أتكبّد عناء معرفته جيّدًا أو حتى السؤال عنه، فمَن أكثر مِن النجوم سيُطلعني على شخصيّته وأذواقه؟ ومنَعتُ أهلي مِن الإستفهام عنه بإعطائهم إسمّا مستعارًا.

وتزوّجنا وكان قلبي مطمئنًا وصدّقتُ فعلًا أنّنا خُلقنا لبعضنا. ولأتأكّد مِن نجاح زواجي، طلبتُ مِن أمّي أن تكلّم أحد” أصدقاءها” ليُبعد عنّا الحسد والعين.

 

وسرعان ما لاحظ وليد تعلّقي بأمور السحر وحبّي لمعرفة المستقبل. ولم يُحاول إقناعي بالإبتعاد عن ذلك بل رأى فيه فرصة للتلاعب بي.

ما لم أكن أعلمه هو أنّ وليد تقرّب منّي بسبب إسم عائلتي… وخاصة أموالنا الوفيرة. ولو سألتُ عنه لعلمتُ أنّه واقع تحت ديون كبيرة ويعيش فوق إمكاناته وأنّ شركته على وشك الإفلاس.

عشنا سعيدَين حوالي السّنة أخَذَني خلالها إلى أوروبا واشترى لي الأشياء الجميلة، وكلّ ذلك بمال إستقرضَه لتلك الغاية. ولكنّه كان بحاجة إلى تسكير ديونه والعيش كما كان يحلم، أي بدون أن يُفكّر بكيفيّة إيجاد المال لذلك.

وابتكَر زوجي خطّة ذكيّة لأخذ ما يُريده منّي بدون أن أدري. لم يلجأ إلى السرقة أو التهديد بل إلى التنجيم. ففي أحد الأيّام قال لي:

ـ حبيبتي… لقد تعرّفتُ إلى امرأة هائلة… كنتُ عند أحد أصدقائي وكانت هي هناك لغرض التبصير… جلستُ جانبًا ورأيتُ كيف قالت للموجودين فردًا فردًا ما حدث لهم في الماضي وما سيحدث لهم في المستقبل.

ـ حقًّا!؟!

أجل… وحين انتهَت من ذلك، نظَرَت إليّ وقالت لي:” أرى أنّكَ عريس جديد… زوجتكَ جميلة وطيبّة ولكن… ستحصل لها أمور غير سارّة.”

ـ ماذا؟ ما الذي سيحصل لي؟

ـ لم تقل… توسّلتُ إليها ولكنّها رفضَت أن تتكلّم… وبعد أن رحلَت أخذتُ رقمها مِن صديقي…

ـ أعطِني الرقم!

ـ حبيبتي… لا يجدر بكِ أن تصدّقي تلك الشعوذات”.

ووقعتُ بالفخ طبعًا، ولم أسأله حتى عن إسم ذلك الصديق لأتأكّد مِن الأمر بنفسي. واتصلتُ بالبصّارة وطلبتُ منها المجيء إلى بيتي كي أعرف المزيد.

وقبل أن تقفل الخط قالت لي:” أسعاري مرتفعة… لا أدري إن كنتِ قادرة على الدفع، خاصة أنّني بحاجة إلى جلسات عديدة”. وبالطبع أكّدتُ لها أنّني أملك الكثير مِن المال وأستطيع تحمّل مصاريف الجلسات.

وجاءَت المرأة، وتفاجأتُ ببساطة مظهرها. كنتُ معتادة على الذين يأتون إلى منزل أهلي بلباسهم المبتذل وحركاتهم المسرحيّة. أما نوال فكانت كأيّ امرأة أخرى. وخاب أملي وكنتُ على وشك إعادتها مِن حيث أتَت ولكنّني غيرّتُ فكري فورًا حين قالت لي وهي لا تزال على الباب:” برجكِ قويّ ولكن هناك كواكب تؤثّر عليه… زوجكِ بخطر وأنتِ السبب”.

 

وأدخلتُها فأخبرَتني أنّ تأثير هذه الكواكب عليّ سيتسبّب لي بمآسٍ كبيرة وستؤثّر بشكل مباشر على وليد. وحين سألتُها عن كيفيّة إزاحة هذا الخطر عنّا، توقّفَت عن الكلام وأرجأت التكملة إلى الجلسة القادمة.

دفعتُ لها ما طلبَته منّي ورحلَت. ولم أنَم تلك الليلة ولا الليالي التالية حتى أن حان موعد زيارتها لي. وفي ذلك النهار، جلسنا حول مائدة الطعام وأخَذَت ترسم لي رسمة فلكيّة معقّدة وتشرح لي أشياء لم أفهم ربعها.

ورَحَلت بعد أن قبضَت ثمَن الجلسة. وبقيَت تأتي مرّتَين في الأسبوع وتعطيني الأمل في إبعاد الشر عن عشّنا الزوجي. وفي تلك الأثناء، كانت نوال تتقاسم أرباحها مع وليد الذي كان يُزوّدها بالمعلومات اللازمة عنّي وعن طفولتي ممّا قد رَوَيتُه له. وكلّما كانت تذكر لي تفاصيل حياتي كنتُ أتعلّق بها أكثر وأكثر.

لو بقيَ الوضع على حاله لما كنتُ قد أكتشفتُ الحيلة، ولكنّ الإنسان طمّاع بطبيعته، فزوجي لم يعد يكتفي بما يحصل عليه مِن نوال بل أرادَ المزيد لا بل كلّ شيء.

وكنتُ في تلك الأثناء قد تعلّقتُ بِنوال تمامًا كتعلّق أمّي بهؤلاء المبصّرين، وذلك بالرغم مِن أنّني كنتُ أعتبر نفسي أكثر ذكاء وتحضّرًا مِن باقي أفراد عائلتي. ولم أعد قادرة على العيش ولو يومًا واحدًا بدون أن آخذ برأي نوال بما يخصّ أبسط الأمور، وخاصة كيفيّة إزاحة تأثير النجوم السلبيّ على زواجي. فنوال، وطوال كلّ تلك المدّة، لم تعطِني الحلّ كي تبقيني متعلّقة بها، وأخَذَت تلهيني بأمور أخرى لتوطّد وجودها بحياتي.

وبقيَ وليد معي الزوج المحب الذي تتمنّاه كلّ امرأة، فلم يكن بمقدوري أن أشك بما يُحضّره لي.

ولكن في ذات يوم، جاءَت نوال إليّ مِن دون موعد وحين فتحتُ لها كاد أن يُغمى عليها. أدخلتُها بِسرعة وأجلستُها على الكنبة، فقالت لي بصوت مليء بالخوف:

ـ كنتُ أعمل على رسم مخطّط نجومكِ لهذا الأسبوع، وتبّين لي أنّها أصبحَت قريبة مِن الإصطفاف، أي أنّ المصيبة التي حذّرتكِ منها على وشك الحصول… جئتُ فورًا إلى هنا لنَمنَع حدوث ذلك!

ـ وما العمل؟؟؟

ـ كما قلتُ لكِ سابقًا، المصيبة ستصيبكِ وتصيب زوجكِ مِن خلالكِ إلاّ إذا…

ـ تكلّمي!

ـ إلاّ اذا أزحتِ عنكِ نقطة التركيز.

ـ وهي؟

ـ المال… المال يا حبيبتي… منذ بدء الزمن كانت الأرزاق هي التي تجذب المصائب… ألا تسمعين الناس تقول إنّ الأغنياء ليسوا سعداء؟

ـ أجل ولكن… عائلتنا غنيّة منذ أجيال عديدة ولم يحدث شيء.

ـ حتى الآن! ستتلّقينَ أنتِ الضربة كلّها!

ـ وما العمل؟؟؟

ـ عليكِ تحويل كلّ ما لديكِ إلى زوجكِ.

ـ ماذا؟ سيجذب لنفسه المصيبة.

ـ لا… لأنّ نجومه مختلفة عن نجومكِ… وحالما تتغيّر مسار نجومكِ ستتمكّنين مِن استعادة أملاككِ… إفعلي ما أقوله وإلاّ ستندمين!”

ورحَلت، وانهارَت أعصابي مِن الخوف والهمّ، واتصلتُ بزوجي لأخبره عمّا قالَته لي نوال ولأذهب معه إلى الكاتب بالعدل ومِن ثمّ إلى المصرف. ولكن قبل أن يتسنّى لي ذلك، قال لي زوجي فور سماع صوتي المرتعِب:

ـ حبيبتي… لا تخافي … سأعيد إليكِ مالكِ حين ينتهي كلّ شيء”.

في البدء، لم ألاحظ أنّه كان على علم مسبق بالموضوع إذ لم يكن مِن المفترض أن يعرف شيئًا أو حتى يكون على تواصل مع نوال، خاصة أنّه كان دائمًا خارج المنزل عندما كانت تزورني ولم يُبدِ يومًا إهتمامًا بتلك الأمور. حتى أنّه لم يكن يستمع إليّ عندما كنت أروي له خلاصة الجلسات قائلًا: ” لا أكترث بالمسائل الفلكيّة… أتركيني بعيدًا عن ذلك، أرجوكِ”.

ولكن بعدما أقفلتُ الخط وتحضّرتُ للذهاب معه لإنجاز المعاملات، أدركتُ أنّني وقعتُ في مكيدة دنيئة. فرغم وَلَعي بالسّخافات لم أفقد ذكائي بالإجمال. وأخذتُ أفتّش بأغراض وليد الخاصّة، ووجدتُ دفتر التوفير الذي كان مخبّأً في خزانته واكتشَفتُ أنّ حسابه وصل إلى الخط الأحمر.

فجمَعتُ قوّتي واتصَلتُ بِنوال وقلتُ لها إنّني أثق بِنجمي وسأواجه الخطر بنفسي، ومِن ثمّ بِوليد لألغي موعدي معه ومع الكاتب بالعدل.

وحين عاد زوجي في المساء، كان بحالة غضب لا توصَف وبالكاد وجَّهَ إليّ الكلام. وفي الصّباح، ذهبتُ إلى صديق والدي وطلبتُ منه أن يتحرّى لي عن أوضاع شركة زوجي. وعلمتُ أنّه على وشك الإفلاس، وأنّ كلّ الذي كان يصرفه علينا كان مِن مال إستقرضَه مِن أحد المرابين.

ولم يبقَ لي إلا أن أقول لِوليد إنّني لن أواصل جلساتي مع نوال ليبيّن لي وجهه الحقيقيّ. فبدأ يصرخ عليّ ويُهدّد ويتأسّف لأنّه تزوّج إمرأة بِغبائيّ وأشياء أخرى لا أتذكّرها. ولكن رغم ذلك الغباء الذي تكلّمَ عنه، كنت لا أزال أذكى منه لأنّه فضَحَ نفسه بلحظة. وعندما أدركَ ذلك سكَـتَ مطوّلًا وقال:

– ما الذي تنوين فعله؟

– الرّحيل طبعًا.”

وتركتُه بعد أن تعلّمتُ درسًا لن أنساه أبدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.