أخَذَني أبي بعيدًا لينتقم مِن أمّي

أمّي مِن عائلة كبيرة وميسورة، وكانت الوحيدة التي لم تتزوّج مِن مستواها ربما لأنّها كانت الأصغر بين الأولاد ولم يعد والدَاها يُشدّدان على الكثير مِن الأمور، لكنّهما نصحاها طبعًا ألّا ترتبط بمازن، أبي، ليس فقط لأنّه كان مِن عائلة فقيرة ولكن بسبب سمعته غير الشريفة.

إلا أنّ أخباره لم تؤكَّد يومًا بل بقيَت أقاويل، لذا فعَلت والدتي ما كان برأسها وتزوّجَت مِن ذلك الشاب الوسيم والجذّاب. لكنّه سرعان ما أظهَرَ لها وجهه الحقيقيّ، وبدأ يخونها مِن دون حتى أن يُحاول إخفاء الأمر عنها. إلى جانب ذلك، لم يتردّد أبي عن صرف المال الذي حصَلَت عليه أمّي بعد موت أبيها على عشيقاته.

وكما تجري العادة، جعلَها تحمل بسرعة كي تصبّ اهتمامها على الأولاد وتدعه يعيش حياته بسلام. وجئتُ أنا إلى الدنيا وسط الصريخ والبكاء.

وقرّرَت أمّي أخيرًا أنّ عليها ترك هذا المخلوق البغيض، فأخَذَتني وعادت إلى المنزل الأبويّ. كنتُ آنذاك لا ازال في الخامسة مِن عمري ولكنّني أتذكّر تمامًا يوم رحيلنا: كان أبي يصرخ بأمّي ويرمي عليها الأطباق وكل ما طالَته يده قائلًا:” مع السلامة، يا مزعجة! هيّا ارحلي! لا أريد رؤية وجهكِ البشع مجدّدًا!”

سافر مازن إلى الولايات المتحّدة ولم نسمع منه إلّا بعد ثلاث سنوات، حين أعربَ عن نيتّه برؤيتي. لم يكن قادرًا على المجيء بنفسه بسبب مذكّرة قبض أصَدَرَتها بِحقّه المحكمة بعد أن اتضحَ أنّه اختلَسَ مال الناس.

ولأنّني كنتُ دائمًا أسأل أمّي عن أبي وأبكي فترات طويلة أطالب به، رضَخَت أخيرًا المسكينة لِطلبه وأرسَلَتني له تحت شرط أن أعود عند انتهاء الفرصة الصيفيّة. حين وصلتُ الولايات المتحّدة، إكتشفتُ أنّ والدي كان قد تزوّجَ مِن مواطنة أميركيّة مطلّقة ولدَيها إبن في الخامسة مِن عمره، وأنّه أنجبَ منها ولدًا آخر لم يكن قد بلغ بعد الثانية.

وأحبَبتُ هؤلاء الناس، فكانت جني زوجة أبي صالحة ومحبّة والولدان لطيفَين معي، وشعرتُ أنّني فعلًا أنتمي إلى تلك العائلة. إلا أنّ أبي لم يتغيّر، وبقيَ على عاداته البشعة، أي أنه كان يترك زوجته ليلًا للسّهر مع أصدقائه وعشيقاته. وعشتُ فترة صعبة أحاول مواساة جني والإنتباه للصغار.

وحين جاء موعد عودتي إلى بلدي، تفاجأتُ بأبي يقول لي:” لن تذهبي إلى أيّ مكان… ستبقَين هنا معي… ليكن ذلك قصاص أمّكِ… لا أحبّ أن تجابهني النساء… أنا الرجل وأفعل ما أشاء.”

ورغم بكائي وتوسّلاتي، لم يُغيّر والدي رأيه فبقيتُ على مضض أتصوّر يأس أمّي وحزنها عليّ. وتعلّقتُ أكثر وأكثر بِجني والولدَين، وأقسمتُ رغم سنّي اليافع أن أدافع عنهم وأفعل جهدي للتخفيف عن عذابهم مع الذي أسميتُه ” الوحش”.

كان مسموح لي أن أتصل بوالدتي مرّة بالشهر فقط، وكانت الدموع تنهال على خدَّيّ كلّما سمعتُ صوتها وهي تبكي على الطرف الآخر مِن الهاتف وتسأل عنّي وعن أحوالي وتنبّهني مِن أبي. واظنّ أنّ بُعدها عنّي كان سبب إصابتها بذلك المرض الخبيث الذي لا يرحم أحدًا.

ولم أعلم شيئًا عن حالتها الصحيّة إلّا عندما أصبحَت في مرحلة متقدّمة. عندها أذَنَ لي مازن بالذهاب إليها مهدّدًا أنّه سيُؤذي عائلته بأبشع الطرق إن لم أعد.

ولأنّني كنتُ أعلم أنّه قادر على ذلك، أسرعتُ بالعودة بعدما زرتُ أمّي في المشفى ووعدتُها بأن أكون قويّة. كنتُ أصبحتُ في الخامسة عشر وعزيمتي أكبر منّي.

قد يلومني البعض على تركي أمّي، ولكنّها هي نفسها فهمَت ضرورة عودتي لأنّها كانت تعلم أيّ رجل هو أبي. وقبل أن أخرج مِن غرفتها في المشفى، قالت لي:

” أنا فخورة بكِ… سامحيني لأنّني حمَّلتُكِ هذا الكم مِن المسؤوليّة باكرًا.”

وعدتُ إلى الولايات المتحّدة والحزن يملأ قلبي، ولكنّني كنت عازمة على الوقوف بوجه الطاغي الذي كان يُعكّر علينا عيشتنا. وعند وصولي، نظَرَ إليّ أبي بانتصار ولم يتكبّد حتى عناء السؤال عن حالة أمّي.

والحق يُقال أنّ مازن لم يستطع حبّ أحد سواه وكان يعتقد أنّ الناس موجودون فقط لتسهيل حياته وإن لم يفعلوا فعليهم الإختفاء.

وأبغَض الأمور عليه كانت أن تقف امرأة في وجهه، فحين أرادَت جني تركه حدث شجار لا مثيل له، وانهال بالضرب عليها وعلينا وهدّدنا بقتلنا جميعًا لو خطَّت أرجلنا عتبة البيت.

ولكن في أحد الأيّام، وحين كان خارج المنزل، أخَذنا أمتعتنا وقصدنا شقّة صغيرة كانت زوجة أبي قد استأجَرتها سرًّا. ولكن لم نكن نملك أي مال للعيش مِن دون أبي، فقرّرتُ العمل للصّرف على ما كنتُ أسمّيها “عائلتي الصغيرة”.

ووجدتُ أنا عملًا في مكتبة مجاورة بينما عادَت جني إلى وظيفتها القديمة. وبدأتُ أجني بعض المال أضع قسمًا صغيرًا منه جانبًا لشراء تذكرة سفر كي أعود إلى أمّي لأكون معها فيما تبقّى لها مِن عمر لتعيشه.

ولكن المسكينة توفَّيت بعد أشهر قليلة بدون أن أتمكّن مِن رؤيتها.

عندها أدركتُ أنّ حياتي وعائلتي أصبحَت كلّها في الولايات المتحّدة، وأنّ عليّ نسيان كلّ ما يربطني ببلدي الأمّ بما فيه أبي البغيض.

ولكنّه لم ينسَنا وبقيَ يغلي غضبًا لعصياننا وهروبنا مِن قبضته. فمِن دوننا لم يعد له مَن يمارس إرهابه عليه لذا قرّرَ البحث عنّا.
وبعد حوالي السنَتَين، إستطاع أن يعثر علينا مِن خلال صوَر لي على إحدى شبكات التواصل الإجتماعيّ.

ومع أنّني لم أذكر عنواني إلا أنه استطاع التعرّف إلى اليافطات المحيطة بي.

وفي إحدى الليالي جاء مازن وقَرَع بابنا. وركَضَ أخي ليفتح بعيدًا كلّ البعد عن التصوّر بأنّه أبوه. وسمعنا صرخة وركضنا فرأينا أبي يُمسك برقبته ويُهدّد بقتله إن لم ندعه يدخل. وبالطبع أدخلناه، وأتذكّر أنّ المسكينة جني كادت تقع أرضًا مِن شدّة خوفها عندما رأت سكيّنًا كبيرًا بِيَد والدي.

وبعد أن لاحظتُ أنا أنّ الباب كان لا يزال مفتوحًا، إستفدتُ مِن الضوضاء لطلب الشرطة مِن هاتفي الخاص وعملتُ على إضاعة الوقت إلى حين تصل النجدة. فبدأتُ أحدّث مازن:

لقد اشتقنا إليكَ يا أبي… الحياة مرّة مِن دونكَ.

أيتّها الكاذبة! أنتِ كأمّكِ… أفعى! يا ليتها كانت هنا لأنهي حياتها هي الأخرى!

لقد ماتَت مِنذ أكثر مِن سنَتَين.

كيف تموت مِن دون إذني؟ كان يجدر بي أن أقتلها قبل أن أسافر!

ماذا تنوي فعله بنا؟

ماذا تظنّين؟ الم ترَي السكين في يدي؟
بلى… ولكن ليس عليك استعماله…لقد ادخلناك ويُمكننا التكلّم عن عودتنا معكَ إلى البيت.”

عندها سكتَ مطوّلًا وكأنّه يُفكّر في الأمر. لكنّه عاد إلى جنونه وصرخ:

أيتّها المحتالة! تتذاكين عليّ؟ سأبدأ بكِ!”

وفي تلك اللحظة، دخل رجال الشرطة وأجبروا أبي على النزول أرضًا والإستسلام ومِن ثمّ أخذوه معهم. ركضتُ أعانق أخويّ وجني وبكينا سويًّا.

وسُجِنَ أبي بعد أن أدلَينا بشهادتنا وارتحنا منه لسنين طويلة. عندها استطعنا إكمال حياتنا. ودخلتُ الجامعة وحصلتُ على شهادة بطبّ الأسنان.

أملك اليوم عيادتي الخاصّة وأخي مِن أبي أصبح مدرّسًا وأخي مِن جني دخل المدرسة الحربيّة الأميركيّة. وطلبنا مِن” أمّي الثانية” أن ترتاح لأنّنا أصبحنا قادرين على حمل مسؤوليّتها، ونحن نعيش حياة متماسكة رغم انشغالاتنا العديدة بعيدًا عن المنزل.

أحيانًا أفكّر بأمّي رحمها الله، وأسأل نفسي كيف لأحد ألاّ يرى الشرّ في الآخر، ولكنّني أعود وأدرك أنّ الحبّ أعمى وأنّ هناك أشرارًا يُجيدون التلاعب بمشاعر الناس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.